عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

13

اللباب في علوم الكتاب

به ، إذ يصير المعنى : أنّهم نهوا عن الاتّباع في حال قلّة تذكرهم ، وليس ذلك بمراد . وقرأ ابن عامر « 1 » : « قليلا ما تذكّرون » بالياء تارة والتّاء أخرى ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بتاء واحدة وتخفيف الذال ، والباقون بتاء وتشديد الذّال . قال الواحديّ « 2 » : « تذكّرون » أصله « تتذكّرون » فأدغمت تاء تفعل في الذّال ؛ لأنّ التّاء مهموسة والذّال مجهورة ، والمجهور أزيد صوتا من المهموس ، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد ، و « ما » موصولة بالفعل ، وهي معه بمنزلة المصدر فالمعنى : قليلا تذكّركم . وأمّا قراءة ابن عامر « يتذكّرون » بياء وتاء فوجهها أنّ هذا خطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أي : قليلا ما يتذكرون هؤلاء الّذين ذكّروا بهذا الخطاب . وأمّا قراءة الأخوين ، وحفص خفيفة الذّال شديدة الكاف ، فقد حذفوا التي أدغمها الأوّلون ، وتقدّم الكلام على ذلك في الأنعام « 3 » . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 4 ] وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ( 4 ) لمّا أمر الرّسول بالإنذار والتّبليغ وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عنها من الوعيد . وفي « كم » وجهان : أحدهما : أنّها في موضع رفع بالابتداء ، والخبر الجملة بعدها ، و « من قرية » تمييز ، والضمير في « أهلكناها » عائد على معنى « كم » ، وهي هنا خبرية للتّكثير ، والتّقدير : وكثير من القرى أهلكناها . قال الزّجّاج : و « كم » في موضع رفع بالابتداء أحسن من أن تكون في موضع نصب ؛ لأن قولك : « زيد ضربته » أجود من قولك : « زيدا ضربته » بالنّصب ، والنّصب جيّد عربيّ أيضا لقوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] ، ونقل أبو البقاء « 4 » عن بعضهم أنه جعل « أهلكناها » صفة ل « قرية » ، والخبر قوله : « فجاءها بأسنا » قال : وهو سهو ؛ لأن « الفاء » تمنع من ذلك . قال شهاب الدّين « 5 » : ولو ادّعى مدّع زيادتها على مذهب الأخفش لم تقبل دعواه ؛ لأن الأخفش إنّما يزيدها عند الاحتياج إلى زيادتها .

--> ( 1 ) ينظر : السبعة 278 ، والحجة 4 / 5 ، وفيه : وقرأ ابن عامر : « قليلا ما يتذكرون » بياء وتاء ، وقد روي عنه بتاءين ، وينظر : حجة القراءات 279 ، وإعراب القراءات 1 / 176 ، والعنوان 95 ، وشرح شعلة 386 ، وشرح الطيبة 4 / 290 ، وإتحاف 2 / 44 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 14 / 17 . ( 3 ) ينظر : تفسير سورة الأنعام آية ( 152 ) . ( 4 ) ينظر : الإملاء 1 / 268 . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 3 / 232 .