عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

121

اللباب في علوم الكتاب

فإذا دخل أهل الجنّة الجنّة ، وأهل النّار النّار ، رفعت الجنة لأهل النّار فينظروا إلى منازلهم فيها فيقال لهم : هذه منازلكم لو عملتم بطاعة اللّه - تعالى - ثمّ يقال : يا أهل الجنة ، رثوهم بما كنتم تعملون ، فيقسم بين أهل الجنة منازلهم » « 1 » . فإن قيل : هذه الآية تدلّ على أنّ العبد يدخل الجنّة بعمله ، وقوله - عليه الصّلاة والسّلام - : « لن يدخل أحد الجنة بعمله ، وإنّما يدخلونها برحمة اللّه » « 2 » ، وبينهما تناقض « 3 » . فالجواب : أنّ العمل لا يوجب دخول الجنّة لذاته ، وإنّما يوجبه لأن اللّه بفضله جعله علامة عليه ، وأيضا لمّا كان الموفق للعمل الصّالح هو اللّه تعالى - كان دخول الجنّة في الحقيقة ليس إلّا بفضل اللّه - تعالى - . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 44 ] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 44 ) لمّا شرح وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان أتبعه بذكر المناظرات التي تدور بين الفريقين في هذه الآية . قوله : « أن قد وجدنا » « أن » يحتمل أن تكون تفسيرية للنّداء ، وأن تكون مخففة من الثّقيلة ، واسمها ضمير الأمر والشّأن ، والجملة بعدها خبرها ، وإذا كان الفعل متصرّفا غير دعاء ، فالأجود الفصل ب « قد » كهذه الآية أو بغيرها . وقد تقدّم تحقيقه في المائدة . قال الزّمخشريّ « 4 » : فإن قلت : هلا قيل : ما وعدكم ربكم ، كما قيل : « ما وَعَدَنا رَبُّنا » . قلت : حذف ذلك تخفيفا لدلالة « وعدنا » عليه . ولقائل أن يقول : أطلق ليتناول كلّ ما وعد اللّه من البعث والحساب والعقاب والثواب ، وسائر أحوال القيامة ، لأنّهم كانوا مكذّبين بذلك أجمع ، ولأنّ الموعود كله ممّا ساءهم ، وما نعيم أهل الجنّة إلّا عذاب لهم فأطلق لذلك . قال شهاب الدّين « 5 » : قوله : « ولقائل . . . إلى آخره . هذا الجواب لا يطابق سؤاله ؛ لأنّ المدعي حذف المفعول الأوّل ، وهو ضمير المخاطبين . والجواب وقع بالمفعول الثّاني الذي هو الحساب والعقاب ، وسائر الأحوال ، [ فهذا ] إنّما يناسب لو سئل عن حذف المفعول الثاني ، لا المفعول الأول » .

--> ( 1 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 7 / 209 ) . ( 2 ) متفق عليه من رواية أبي هريرة رضي اللّه عنه ، أخرجه البخاري في الصحيح 11 / 294 ، كتاب الرقاق : باب القصد والمداومة الحديث ( 6463 ) واللفظ له ، وأخرجه مسلم في الصحيح 4 / 169 ، كتاب المنافقين : باب لن يدخل أحد الجنة بعمله الحديث ( 71 / 816 ) و ( الدلجة ) : سير الليل . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 68 . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 106 . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 3 / 273 .