عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
96
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 28 ] بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) « بل » هنا للانتقال من قصّة إلى أخرى ، وليست للإبطال ، وعبارة بعضهم توهم أنّ فيها إبطالا لكلام الكفرة ، فإنه قال : « بل » ردّ لما تمنّوه أي : ليس الأمر على ما قالوه ؛ لأنهم لم يقولوا ذلك رغبة منهم في الإيمان ، بل قالوه إشفاقا من العذاب وطمعا في الرّحمة . قال أبو حيّان « 1 » : « ولا أدري ما هذا الكلام » . قال شهاب الدّين « 2 » : ولا أدري ما وجه عدم الدّراية منه ؟ وهو كلام صحيح في نفسه ، فإنهم لمّا قالوا : يا ليتنا كأنهم قالوا تمنّينا ، ولكن هذا التمني ليس بصحيح ، لأنهم إنما قالوه تقيّة ، فقد يتمنى الإنسان شيئا بلسانه ، وقلبه فارغ منه . وقال الزجاج - رحمه اللّه تعالى - : « بل » هنا استدراك وإيجاب نفي ، كقولهم : « ما قام زيد بل قام عمرو » . وقال أبو حيّان « 3 » : « ولا أدري ما النّفي الذي سبق حتى توجبه بل » ؟ قال شهاب الدين « 4 » - رحمه اللّه تعالى - : الظّاهر أن النفي الذي أراده الزّجّاج هو الذي في قوله : « وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا » إذا جعلناه مستأنفا على تقدير : ونحن لا نكذّب ، والمعنى : بل إنهم مكذّبون . وفاعل « بدا » قوله : « ما كانوا » ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية وهو الظّاهر ، أي : ظهر لهم الذي كانوا يخفونه ، والعائد محذوف ، ويجوز أن تكون مصدريّة ، أي : ظهر لهم إخفاؤهم ، أي : عاقبته ، أو أطلق المصدر على اسم المفعول ، وهو بعيد ، والظّاهر أن الضميرين : أعني المجرور والمرفوع في قوله : « بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ » عائدان على شيء واحد ، وهم الكفّار أو اليهود والنصارى خاصة . وقيل : المجرور للأتباع والمرفوع للرّؤساء ، أي : بل بدا للأتباع ما كان الوجهاء المتبوعون يخفونه . فصل في معنى « يخفون » واختلفوا في ذلك الذي أخفوه ، فقال أبو روق « 5 » : إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك ، فيقولون : « وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ » فينطق اللّه جوارحهم ،
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 107 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 41 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 107 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 41 . ( 5 ) ينظر : الرازي 12 / 160 .