عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
91
اللباب في علوم الكتاب
بهاتين الحالين ، فيكون الفعلان ] « 1 » أيضا داخلين في التمنّي . وقد استشكل الناس هذين الوجهين ، بأن التّمنّي إنشاء ، والإنشاء لا يدخله الصّدق ولا الكذب ، وإنما يدخلان في الأخبار ، وهذا قد دخله الكذب لقوله تعالى : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * . وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه : أحدها : ذكره الزمخشري « 2 » - قال : هذا تمنّ تضمّن معنى العدة ، فجاز أن يدخله التّكذيب كما يقول الرّجل : « ليت اللّه يرزقني مالا فأحسن إليك ، وأكافئك على صنيعك » فهذا متمنّ في معنى الواعد ، فلو رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه ، ولم يكافئه كذب ، وصحّ أن يقال له كاذب ، كأنه قال : إن رزقني اللّه مالا أحسنت إليك . والثاني : أن قوله تبارك وتعالى : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * ليس متعلّقا بالمتمني ، بل هو محض إخبار من اللّه تبارك وتعالى ، بأنهم ديدنهم الكذب وهجيراهم ذلك ، فلم يدخل الكذب في التمنّي ، وهذان الجوابان واضحان ، وثانيهما أوضح . والثالث « 3 » : أنّا لا نسلّم أنّ التمنّي لا يدخله الصّدق ولا الكذب ، بل يدخلانه ، وعزي ذلك إلى عيسى بن عمر ، واحتج على ذلك بقول الشاعر [ حيث قال ] « 4 » : [ الطويل ] 2139 - منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى * وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا « 5 » قال : « وإذا جاز أن توصف المنى بكونها حقّا جاز أن توصف بكونها باطلا وكذبا » . وهذا الجواب ساقط جدا ، فإن الذي وصف بالحقّ إنما هو المنى ، و « المنى » : جمع « منية » و « المنية » توصف بالصّدق والكذب مجازا ؛ لأنها كأنها تعد النّفس بوقوعها ، فيقال لما وقع منها : صادق ، ولما لم يقع منها : كاذب ، فالصّدق والكذب إنما دخلا في المنية لا في التمني . والثالث من الأوجه المتقدمة : أن قوله : « وَلا نُكَذِّبَ » خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة استئنافيّة لا تعلّق لها بما قبلها ، وإنما عطفت هاتان الجملتان الفعليتان على الجملة المشتملة على أداة التمني وما في حيّزها ، فليست داخلة في التّمنّي أصلا ، وإنما أخبر اللّه - تبارك وتعالى - عنهم أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم لا يكذبون بآيات ربّهم ، وأنّهم يكونون من المؤمنين ، فتكون هذه الجملة وما عطف عليها في محلّ نصب بالقول ، كأنّ التقدير : فقالوا : يا ليتنا نردّ وقالوا : نحن لا نكذّب ونكون من المؤمنين .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 15 . ( 3 ) في ب : وثانيهما . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) البيت لرجل من بني الحارث في ذيل الأمالي ص ( 102 ) وينظر : شرح عمدة الحافظ ص ( 368 ) ، شرح الحماسة 3 / 1413 ، روح المعاني 7 / 130 ، الدر المصون 3 / 38 .