عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

81

اللباب في علوم الكتاب

أَكِنَّةً » « 1 » أغطية جمع « كنان » ، كالأعنّة جمع « عنان » « أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا » أي : صمما وثقلا . فصل في بيان الدلالة من الآية احتج أهل السّنّة بهذه الآية الكريمة على أنه - تعالى - قد يصرف عن الإيمان ، ويمنع منه ؛ لأنه - تعالى - جعل القلب في الكنان الذي يمنعه عن الإيمان . قالت المعتزلة « 2 » : لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها لوجوه : أحدها : أنه - تبارك وتعالى - إنّما أنزل القرآن العظيم ليكون حجّة للرّسل على الكفّار ، لا ليكون حجّة للكفّار على الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولو كان المراد من هذه الآية الكريمة أنه - تعالى - منع الكفّار عن الإيمان ، لكان لهم أن يقولوا للرسول عليه الصّلاة والسّلام لما حكم بأنه منعنا من الإيمان فلم يذمّنا على ترك الإيمان ولم يدعونا إلى فعل الإيمان . وثانيها : أنه تبارك وتعالى لو منعهم من الإيمان ، ثم دعاهم إليه لكان ذلك تكليفا للعاجز ، وهو منفيّ بصريح العقل ، وبقوله تبارك وتعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] . وثالثها : أنه - تعالى - حكى ذلك الكلام عن الكفّار في معرض الذّمّ ، فقال تعالى : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [ فصلت : 5 ] وقال في آية أخرى : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 88 ] . وإذا كان قد حكى عنهم هذا المذهب في معرض الذّمّ لهم امتنع أن يكون ذكره هنا في معرض التقريع والتوبيخ ، وإلّا لزم التّناقض . ورابعها : أنه لا نزاع في أنّ القوم كانوا يفقهون ، ويسمعون ، ويعقلون . وخامسها : أنّ هذه الآية وردت في معرض الذّمّ على ترك الإيمان ، وإذا كان هذا الصّدّ ، والمنع من قبل اللّه - تعالى - لما كانوا مذمومين ، بل كانوا معذورين . وسادسها : أن قوله : حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يدلّ على أنهم كانوا يفقهون ، ويميّزون الحقّ من الباطل ، وعند هذا فلا بدّ من التأويل وهو من وجوه : الأول : قال الجبّائيّ « 3 » : إنّ القوم كانوا يستمعون قراءة الرسول عليه الصلاة والسلام ، ليتوصّلوا بسماع قراءته إلى معرفة مكانه بالليل ، فيقصدوا قتله وإيذاءه ، فكان اللّه - تبارك وتعالى - يلقي في قلوبهم النوم وهو المراد من الأكنّة ، ويثقل أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النّوم ، وهو المراد من قوله : وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً .

--> ( 1 ) ذكره القرطبي في « تفسيره » ( 6 / 261 ) عن ابن عباس . ( 2 ) ينظر : الرازي 12 / 154 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 154 .