عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

77

اللباب في علوم الكتاب

ولكن حيث لا ينفعهم الصّدق ، فلتعلّق أحد الأمرين بالآخر ، أظهر اللّه - تعالى - للرسول ذلك « 1 » . القول الثاني - قول جمهور المفسرين - : أن الكفار يكذبون في القيامة واستدلّوا بوجوه : أحدها : ما حكى اللّه - تعالى - عنهم أنهم يقولون : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ [ المؤمنون : 107 ] مع أنه - تعالى - أخبر عنهم بقوله : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] . وثانيها : قوله تبارك وتعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ [ المجادلة : 18 ] بعد قوله تعالى : وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ فشبّه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا . وثالثها : ما حكاه - تعالى - عنهم : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [ الكهف : 19 ] . والجواب عما قاله الجبّائي بأن يحمل قولهم ما كانوا مشركين في ظنونهم ، هذا مخالف للظّاهر ، ثمّ قوله بعد ذلك : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا بأنه محمول على كذبهم في الدنيا يوجب تفكيك نظم الآية ، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة ، وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا ، وهو في غاية البعد « 2 » . وقولهم : كذبوا في حال كمال العقل ، وحال نقصانه ، فنقول : لا يبعد أنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة ، وشاهدوا موجبات الخوف الشديد اختلّت عقولهم ، فذكروا هذا الكلام . قولهم : كيف يليق بحكمة اللّه - تعالى - أن يحكي عنهم ما ذكروه في حال اضطراب العقول ؟ فالجواب : هذا يوجب الخوف الشديد وذلك في دار الدنيا وأمّا قولهم : إنّ المكلفين لا بدّ وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول : اختلال عقولهم ساعة واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات « 3 » . قوله : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا « كيف » منصوب على حدّ نصبها في قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ [ البقرة : 28 ] وقد تقدّم . و « كيف » وما بعدها في محل نصب ب « انظر » ؛ لأنها معلقة لها عن العمل . و « كذبوا »

--> ( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 153 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق .