عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

70

اللباب في علوم الكتاب

أن يقال : إنه كان باقيا في التّوراة والإنجيل ، أو كان معدوما في وقت ظهوره ، لأجل أن التّحريف قد تطرّق إليهما قبل ذلك ، والأول باطل ؛ لأنّ إخفاء مثل هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب « 1 » ممتنع . والثاني : أيضا باطل ؛ لأن على هذا التقدير لم يكن يهود أهل ذلك الزمان ، ونصارى ذلك الزّمان عالمين بنبوّة محمّد صلى اللّه عليه وسلم علمهم بنبوّة أنبيائهم « 2 » ، وحينئذ يسقط هذا الكلام . والجواب « 3 » أن يقال : المراد ب « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ » اليهود والنّصارى ، وهم كانوا أهلا للنّظر والاستدلال ، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول عليه الصّلاة والسّلام ، فعرفوا بواسطة تلك المعجزات كونه رسولا من عند اللّه تعالى ، والمقصود بمعرفتهم هي المعرفة من طريق النّظر ، والاستدلال من طريق النّقل . فصل في المراد بالخسران قال المفسرون « 4 » : معنى هذا الخسران أنّ اللّه - تبارك وتعالى - جعل لكلّ آدمي منزلا في الجنّة ومنزلا في النّار ، فإذا كان يوم القيامة جعل اللّه تبارك وتعالى للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنّة في النّار وذلك هو الخسران . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 21 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 ) لمّا بيّن خسران المنكرين في الآية الأولى بيّن في هذه الآية الكريمة سبب ذلك الخسران وهو أمران « 5 » : أحدهما : الافتراء على اللّه كذبا ، وهذا الافتراء يحتمل وجوها : أحدها : أن كفّار « مكة » المشرفة كانوا يقولون : هذه الأصنام شركاء اللّه ، اللّه أمرهم بعبادتها ، وكانوا يقولون : الملائكة بنات اللّه . وثانيها : أنّ اليهود والنّصارى كانوا يقولون : حصل في التّوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرّق إليهما النّسخ والتغيير . وثالثها : ما حكاه « 6 » تعالى عنهم بقوله : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [ الأعراف : 28 ] . ورابعها : قول اليهود : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] وقولهم : لَنْ تَمَسَّنَا

--> ( 1 ) في ب : المشرق والمغرب . ( 2 ) في أ : أبنائهم . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 149 . ( 4 ) ينظر المصدر السابق . ( 5 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 149 . ( 6 ) في أ : حكى .