عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

68

اللباب في علوم الكتاب

أولها : قوله : « قُلْ لا أَشْهَدُ » بما تذكرونه من إثبات الشّركاء . وثانيها : قوله : « قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ » ، وكلمة « إنّما » تفيد الحصر ، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ، ونفي الشركاء . وثالثها : قوله تبارك وتعالى : وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ، وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشّركاء . قال العلماء « 1 » : يستحبّ لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ، ويبرأ من كل دين سوى دين الإسلام . ونصّ الشّافعي - رحمه اللّه تعالى - على استحباب ضمّ التّبرّي إلى الشهادة ، كقوله تبارك وتعالى : وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ عقيب التصريح بالتوحيد « 2 » . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 20 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) اعلم أنّ الكفّار لمّا سألوا اليهود والنّصارى عن صفة محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، فأنكروا دلالة التّوراة والإنجيل على نبوّته بيّن اللّه - تعالى - في الآية الأولى أنّ شهادة اللّه على صحّة نبوّته كافية في ثبوتها ، ثمّ بيّن في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم : لا نعرف محمدا ، لأنهم يعرفونه بالنّبوّة والرسالة ، كما يعرفون أبناءهم . روي أنه لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « المدينة » قال عمر لعبد اللّه بن سلام : أنزل اللّه على نبيّه هذه الآية ، فكيف هذه المعرفة ؟ فقال : يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته ، كما أعرف ابني ، ولأنا أشدّ معرفة بمحمد منّي بابني ؛ لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حقّ من اللّه تعالى « 3 » . قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ الموصول مبتدأ ، و « يعرفونه » خبره ، والضمير المنصوب يجوز عوده على الرسول عليه الصّلاة والسّلام ، وعلى القرآن لتقدّمه في قوله : « وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ » أو على التوحيد لدلالة قوله : « إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ » ، أو على كتابهم ، أو على جميع ذلك ، وأفرد الضمير باعتبار المعنى ، كأنّه قيل : يعرفون ما ذكرنا وقصصنا . وقد تقدّم إعراب هذه الجملة في « البقرة » « 4 » . قوله : « الَّذِينَ خَسِرُوا » في محلّه أربعة أوجه :

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 12 / 148 . ( 2 ) ينظر المصدر السابق . ( 3 ) ذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 12 / 148 ) . ( 4 ) ينظر : تفسير الآية رقم ( 121 ) .