عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
60
اللباب في علوم الكتاب
والتقدير : من يكرم اللّه ، أو من ينجّ يصرف عنه العذاب أو هول يومئذ ، ونظيره : « زيد مرّ به مرور حسن » ، أقمت المصدر فبقي « عنه » منصوب المحلّ . والتقدير : جاوزت زيدا مرّ به مرور حسن ، وأمّا إذا جعل « عنه » قائما مقام الفاعل تعيّن رفعه بالابتداء . واعلم أنه متى قلت : منصوب على الاشتغال ، فإنما يقدّر الفعل بعد « من » ؛ لأن لها صدر الكلام ، ولذلك لم أظهره إلّا مؤخّرا ، ولهذه العلّة منع بعضهم الاشتغال فيما له صدر الكلام كالاستفهام والشرط . والتنوين في « يومئذ » عوض عن جملة محذوفة تضمّنها الكلام السّابق . التقدير : يومئذ يكون الجزاء ، وإنّما قلنا ذلك ؛ لأنه لم يتقدّم في الكلام جملة مصرّح بها يكون التنوين عوضا منها ، وقد تقدّم خلاف الأخفش . وهذه الجملة الشّرطيّة يجوز فيها وجهان : الاستئناف ، والوصف ل « عذاب يوم » ، فحيث جعلنا فيها ضميرا يعود على عذاب يوم ، إمّا من « يصرف » ، وإمّا من « عنه » جاز أن تكون صفة وهو الظّاهر ، وأن تكون مستأنفة ، وحيث لم نجعل فيها ضميرا يعود عليه - وقد عرفت كيفية ذلك - تعيّن أن تكون مستأنفة ، ولا يجوز أن تكون صفة لخلوّها من الضمير . ورجّح بعضهم إحدى القراءتين على الأخرى ، وذلك على عادتهم ، فقال أبو عليّ الفارسي : قراءة « يصرف » يعني المبنيّ للفاعل أحسن لمناسبة قوله : « رحمه » ، يعني : أنّ كلّا منهما مبنيّ للفاعل ، ولم يقل : « فقد رحم » واختارها أبو حاتم ، وأبو عبيد « 1 » ، ورجّح بعضهم قراءة المبني للمفعول بإجماعهم على قراءة قوله : لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ [ هود : 8 ] يعني في كونه أتى بصيغة اسم المفعول المسند إلى ضمير العذاب المذكور أوّلا . ورجّحها محمد بن جرير « 2 » بأنها أقلّ إضمارا ، ومكي - رحمه اللّه - تلعثم في كلامه في ترجيحه لقراءة الأخوين ، وأتى بأمثلة فاسدة في كتاب « الهداية » له . قال ابن عطية « 3 » : « وقد تقدّم أوّل الكتاب « 4 » عن ثعلب وغيره من العلماء أنّ ترجيح إحدى القراءات المتواترة على الأخرى بحيث تضعّف الأخرى لا يجوز » . والجملة من قوله : « فقد رحمه » في محلّ جزم على جواب الشرط والفاء واجبة . قوله : « وَذلِكَ الْفَوْزُ » مبتدأ وخبر جيء بهذه الجملة مقرّرة لما تقدّم من مضمون
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 24 البحر المحيط 4 / 92 . ( 2 ) لم يحكها في التفسير وحكاها عنه أبو حيان في البحر 4 / 92 والسمين في الدر 3 / 24 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 274 . ( 4 ) ينظر : تفسير قول اللّه تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .