عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

56

اللباب في علوم الكتاب

وذكر الزمخشري فيهما تخريجين « 1 » ثانيهما لنفسه ، فإنه قال بعد أن حكى القراءة : وفسّر بأنّ معناه وهو يطعم ولا يستطعم . وحكى الأزهري « 2 » : أطعمت بمعنى استطعمت ، ونحوه : أفدت « 3 » ، ويجوز أن يكون المعنى : هو يطعم تارة ، ولا يطعم أخرى على حسب المصالح ، كقولك : هو يعطي ويمنع ، ويقدر ويبسط ويغني ويفقر . قال شهاب الدين « 4 » : هكذا ذكر أبو حيّان « 5 » هذه القراءات . وقراءة الأشهب « 6 » هي كقراءة ابن أبي عبلة والعماني سواء لا تخالف بينهما ، فكان ينبغي أن يذكر هذه القراءة لهؤلاء كلّهم ، وإلّا يوهم هذا أنهما قراءتان متغايرتان ، وليس كذلك « 7 » . وقرىء شاذّا « 8 » : « يطعم » بفتح الياء والعين ، « ولا يطعم » بضم الياء وكسر العين ، أي : وهو يأكل ، ولا يطعم غيره ، ذكر هذه القراءة أبو البقاء « 9 » قال : « والضمير راجع على الولي الذي هو غير اللّه » . فهذه ست قراءات ، وفي بعضها - وهو تخالف الفعلين - من صناعة البديع تجنيس التشكيل ، وهو أن يكون الشّكل فارقا بين الكلمتين ، وسمّاه أسامة بن منقذ تجنيس التّحريف ، وهو تسمية فظيعة ، فتسميته بتجنيس التّشكيل أولى . قوله : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ يعني من هذه الأمّة ، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر اللّه تعالى . وقيل : أسلم أخلص ، و « من » يجوز أن تكون نكرة موصوفة واقعة موقع اسم جمع أي : أوّل فريق أسلم ، وأن تكون موصولة أي : أوّل الفريق الذي أسلم ، وأفرد الضمير في « أسلم » إمّا باعتبار « فريق » المقدّر وإمّا باعتبار لفظ « من » ، وقد تقدّم الكلام على « أول » وكيف يضاف إلى مفرد بالتأويل المذكور في سورة البقرة « 10 » . قوله : « وَلا تَكُونَنَّ » فيه تأويلان : أحدهما : على إضمار القول ، أي : وقيل لي : لا تكونن .

--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 9 . ( 2 ) ينظر : تهذيب اللغة 2 / 190 . ( 3 ) في ب : أقرب . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 21 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 90 . ( 6 ) ينظر : الكشاف 2 / 9 ، الدر المصون 3 / 21 ، البحر المحيط 4 / 90 . ( 7 ) في ب : ولا يستطيع . ( 8 ) قرأ بها مجاهد ينظر : الشواذ ( 42 ) ، الدر المصون 3 / 21 . ( 9 ) ينظر : الإملاء 1 / 237 . ( 10 ) ينظر : الآية رقم ( 41 ) من سورة البقرة .