عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
53
اللباب في علوم الكتاب
لَكُمْ [ يونس : 59 ] آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ [ الأنعام : 143 ] وهو كثير ، ويجوز أن يكون « اتخذ » متعدّيا لواحد ، فيكون « غير » منصوبا على الحال من « وليا » ؛ لأنه في الأصل صفة له ، ولا يجوز أن يكون استثناء ألبتّة ، كذا منعه أبو البقاء « 1 » ، ولم يبيّن وجهه . والذي يظهر أنّ المانع تقدّمه على المستثنى منه في المعنى ، وهو « وليا » . وأمّا المعنى فلا يأبى الاستثناء ؛ لأن الاستفهام لا يراد به حقيقته ، بل يراد به الإنكار ، فكأنه قيل : لا أتّخذ وليّا غير اللّه ، ولو قيل كذا لكان صحيحا ، فظهر أنّ المانع عنده إنما هو التّقديم على المستثنى منه ، لكن ذلك جائز وإن كان قليلا ، ومنه : [ الطويل ] 2118 - وما لي إلّا آل أحمد شيعة * وما لي إلّا مشعب الحقّ مشعب « 2 » وقرأ الجمهور « 3 » « فاطر » بالجر ، وفيها تخريجان : أحدهما - وبه قال الزمخشريّ والحوفيّ وابن عطيّة « 4 » - : صفة للجلالة المجرورة ب « غير » ، ولا يضرّ الفصل بين الصّفة والموصوف بهذه الجملة الفعلية ومفعولها ؛ لأنها ليست بأجنبية ، إذ هي عاملة في عامل الموصوف . الثاني - وإليه نحا أبو البقاء « 5 » - : أنه بدل من اسم اللّه ، وكأنه فرّ من الفصل بين الصّفة وموصوفها . فإن قيل : هذا لازم له في البدل ، فإنه فصل بين التّابع ومتبوعه أيضا ، فيقال : إنّ الفصل بين البدل والمبدل فيه أسهل ؛ لأن البدل على نيّة تكرار العامل ، فهو أقرب إلى الفصل ، وقد يرجّح تخريجه بوجه آخر ، وهو أنّ « فاطر » اسم فاعل ، والمعنى ليس على المضيّ حتى تكون إضافته غير محضة ، فيلزم وصف المعرفة بالنّكرة ؛ لأنه في نيّة الانفصال من الإضافة ، ولا يقال : اللّه فاطر السماوات والأرض فيما مضى ، فلا يراد حال ولا استقبال ؛ لأن كلام اللّه - تبارك وتعالى - قديم متقدّم على خلق السماوات ، فيكون المراد به الاستقبال قطعا ، ويدلّ على جواز كونه في نيّة التّنوين ما يأتي ذكره عن أبي البقاء قريبا .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 336 . ( 2 ) البيت للكميت . ينظر : الإنصاف ص ( 275 ) ، تخليص الشواهد ص ( 82 ) ، خزانة الأدب 4 / 314 ، الدرر 3 / 161 ، شرح أبيات سيبويه 2 / 135 ، شرح التصريح 1 / 355 ، شرح شذور الذهب ص ( 341 ) ، شرح قطر الندى ص ( 246 ) ، لسان العرب ( شعب ) ، اللمع في العربية ص ( 152 ) ، المقاصد النحوية 3 / 111 ، أوضح المسالك 2 / 266 ، شرح الأشموني 1 / 230 ، شرح ابن عقيل ص ( 308 ) ، مجالس ثعلب ص ( 62 ) ، المقتضب 4 / 398 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 20 ، الكشاف 2 / 9 . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 9 والمحرر الوجيز 2 / 273 والدر المصون 3 / 20 فيه النقل عن الحوفي وكذلك البحر المحيط 4 / 90 . ( 5 ) ينظر : الإملاء 1 / 236 .