عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

507

اللباب في علوم الكتاب

الثالث : أنها النّاصبة أيضا ، وهي وما في حيّزها بدل من العائد المحذوف ، إذ التّقدير : ما حرّمه ، وهي في المعنى كالذي قبله . و « لا » على هذين الوجهين زائدة ؛ لئلا يفسد المعنى كزيادتها في قوله - تعالى - : أَلَّا تَسْجُدَ [ الأعراف : 12 ] ، و لِئَلَّا يَعْلَمَ [ الحديد : 29 ] ، والتّقدير : حرّم ربّكم عليكم أن تشركوا . قال أبو حيّان « 1 » : « وهذا ضعيف ؛ لانحصار عموم المحرّم في الإشراك ؛ إذ ما بعده من الأمر ليس داخلا في المحرّم ، ولا ما بعد الأمر مما فيه لا يمكن ادّعاء زيادة « لا » فيه ؛ لظهور أنّ « لا » فيه للنهي » ، ولما ذكر مكّي « 2 » كونها بدلا من « ما حرّم » [ لم ينبّه على زيادة « لا » ولا بدّ منه . وقد منع الزّمخشريّ أن تكون بدلا من « ما حرّم » ] « 3 » فقال « 4 » : « فإن قلت : هلا قلت : هي الّتي تنصب الفعل ، وجعلت « أَلَّا تُشْرِكُوا » بدلا من « ما حرّم » . قلت : وجب أن يكون : أَلَّا تُشْرِكُوا ، و « لا تَقْرَبُوا » ، و « لا تَقْتُلُوا » و « لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ » نواهي ؛ لانعطاف الأوامر عليها ، وهي قوله - تعالى - : وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ؛ لأن التقدير : وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، وأوفوا وإذا قلتم فاعدلوا ، وبعهد اللّه أوفوا . فإن قلت : فما تصنع بقوله : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [ الأنعام : 153 ] فيمن قرأ بالفتح ؛ وإنما يستقيم عطفه على « أَلَّا تُشْرِكُوا » إذا جعلت « أن » هي النّاصبة ، حتى يكون المعنى : أتل عليكم نفي الإشراك ، وأتل عليكم أنّ هذا صراطي مستقيما ؟ قلت : أجعل قوله : « وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً » علّة للاتّباع بتقدير اللام ؛ كقوله : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً [ الجن : 18 ] ، بمعنى : ولأنّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه ؛ والدليل عليه القراءة بالكسر ، كأنه قيل : واتّبعوا صراطي ، لأنّه مستقيم ، أو : واتّبعوا صراطي أنّه مستقيم » . واعترض عليه أبو حيّان « 5 » بعد السّؤال الأوّل وجوابه ، وهو : « فإن قلت : هلّا قلت هي النّاصبة » إلى : « وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا » ؛ فقال : لا يتعيّن أن تكون جميع الأوامر معطوفة على ما دخل عليه « لا » ؛ لأنّا بيّنّا جواز عطف « وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » على « تعالوا » وما بعده معطوف عليه ، ولا يكون قوله : « وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » معطوفا على « أَلَّا تُشْرِكُوا » . الرابع : أن تكون « أن » النّاصبة وما في حيّزها منصوبة على الإغراء ب « عليكم » ، ويكون الكلام الأوّل قد تمّ عند قوله : « ربّكم » ، ثم ابتدأ فقال : عليكم ألّا تشركوا ، أي :

--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 251 . ( 2 ) ينظر : المشكل 1 / 298 . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 79 . ( 5 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 251 .