عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

502

اللباب في علوم الكتاب

أن الفرق الذي ذكروه بين الدّاعية الاختياريّة وبين الدّاعية الضّرورية ، وإن كان في الظّاهر معتبرا ، إلّا أنه عند التّحقيق والبحث لا يبقى له محصول « 1 » . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 150 ] قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 150 ) قوله : قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ « هلمّ » هنا اسم فعل بمعنى « أحضروا » ، و « شهداءكم » مفعول به ؛ فإن اسم الفعل يعمل عمل مسمّاه من تعدّ ولزوم . واعلم أن « هلمّ » فيها لغتان : لغة الحجازيّين ، ولغة التميميين : فأمّا لغة الحجاز : فإنّها فيها بصيغة واحدة سواء أسندت لمفرد أم مثنى أم مجموع أم مؤنث ، نحو : هلمّ يا زيد ، يا زيدان ، يا زيدون ، يا هند ، يا هندان ، يا هندات ، وهي على هذه اللّغة عند النّحاة اسم فعل ؛ لعدم تغيّرها ، والتزمت العرب فتح الميم على هذه اللّغة ، وهي حركة بناء بنيت على الفتح تخفيفا . وأمّا لغة تميم - وقد نسبها الليث إلى بني سعد - : فتلحقها الضّمائر كما تلحق سائر الأفعال ، فيقال : هلمّا ، هلمّوا هلمّي ، هلممن . وقال الفراء : « يقال هلمّين يا نسوة » وهي على هذه اللّغة فعل صريح لا يتصرف ؛ هذا قول الجمهور ، وقد خالف بعضهم في فعليّتها على هذه اللّغة ؛ وليس بشيء ، والتزمت العرب أيضا فيها على لغة تميم فتح الميم إذا كانت مسندة لضمير الواحد المذكّر ، ولم يجيزوا فيها ما أجازوا في ردّ وشدّ من الضّمّ والكسر . واختلف النحويون فيها : هل هي بسيطة أو مركبة ؟ ثم القائلون بتركيبها اختلفوا فيما ركّبت منه : فجمهور البّصريّين على أنّها مركّبة من « ها » الّتي للتّنبيه ، ومن « المم » أمرا من لمّ يلمّ ، فلما ركّبتا حذفت ألفها لكثرة الاستعمال ، وسقطت همزة الوصل ؛ للاستغناء عنها بحركة الميم المنقولة إليها لأجل الإدغام ، وأدغمت الميم في الميم ، وبنيت على الفتح . وقيل : بل نقلت حركة الميم للام ، فسقطت الهمزة للاستغناء عنها ، فلّما جيء ب « ها » التي للتّنبيه ، التقى ساكنان : ألف « ها » واللّام من « لمّ » ؛ لأنها ساكنة تقديرا ، ولم يعتدّوا بهذه الحركة ؛ لأن حركة النّقل عارضة ، فحذفت ألف « هاء » لالتقاء السّاكنين تقديرا . وقيل : بل حذفت ألف « ها » لالتقاء السّاكنين ؛ وذلك أنّه لمّا جيء بها مع الميم ، سقطت همزة الوصل في الدرج ، فالتقى ساكنان : ألف « ها » ولام « المم » ، فحذفت ألف

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 188 .