عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

494

اللباب في علوم الكتاب

وألزم الخليقة دين الإسلام ، بحلّه وحرمه وأمره ونهيه ، فلو ذبحوا أنعامهم فأكلوا ما أحلّ لهم في التّوراة وتركوا ما حرّم عليهم فهل يحلّ لنا ؟ قال مالك في كتاب محمّد : هي محرّمة وقال في سماع « المبسوط » : هي محلّلة ؛ وبه قال ابن نافع . وقال ابن القاسم : « أكرهه » . والصّحيح حلّه ؛ لحديث جواب الشّحم الذي رواه عبد اللّه بن مغفل « 1 » . قوله : « ذلِكَ جَزَيْناهُمْ » فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : الأمر ذلك ؛ قاله الحوفيّ ؛ ومكّي « 2 » ، وأبو البقاء « 3 » . الثاني : أنه مبتدأ ، والخبر ما بعده ، والعائد محذوف ، أي : ذلك جزيناهموه ، قاله أبو البقاء « 4 » - رضي اللّه عنه - وفيه ضعف ؛ من حيث إنه حذف العائد المنصوب ، وقد تقدّم ما فيه في المائدة في قوله - تعالى - : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [ المائدة : 50 ] ، وأيضا فقدّر العائد متّصلا ، وينبغي ألا يقدّر إلا منفصلا ولكنه يشكل حذفه ، وقد تقدّم تحقيقه في أوّل البقرة . وقال ابن عطيّة : « ذلك في موضع رفع » ولم يبيّن على أيّ الوجهين المتقدّمين ، وينبغي أن يحمل على الأوّل ؛ لضعف الثّاني . الثالث : أنه منصوب على المصدر ، وهو ظاهر كلام الزّمخشري ؛ فإنه قال : « ذلك الجزاء جزيناهم وهو تحريم الطّيّبات » ، إلا أن هذا قد ينخدش بما نقله ابن مالك ، وهو أنّ المصدر إذا أشير إليه ، وجب أن يتبع بذلك المصدر ؛ فيقال : « ضربت ذلك الضّرب » و « قمت هذا القيام » ولو قلت : « ضربت زيدا ذلك » و « قمت هذا » لم يجز ، ذكر ذلك في الرّدّ على من أجاب عن قول المتنبّي : [ الكامل ] 2378 - هذي ، برزت لنا فهجت رسيسا * ثمّ انصرفت وما شفيت نسيسا « 5 » فإنهم لحّنوا المتنبّي ؛ من حيث إنه حذف حرف النّداء من اسم الإشارة ، إذ الأصل : يا هذي .

--> ( 1 ) قال : كنا محاصرين قصر خيبر ، فرمى إنسان بجراب فيه شحم فنزوت لآخذه فالتفتّ فإذا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فاستحييت منه . لفظ البخاري . ولفظ مسلم : قال عبد اللّه بن مغفّل : أصبت جرابا من شحم يوم خيبر ، قال فالتزمته وقلت : لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا ، قال : فالتفتّ فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متبسما . ( 2 ) ينظر : المشكل 1 / 298 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 264 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق . ( 5 ) ينظر : ديوانه 2 / 301 ، مغني اللبيب 2 / 641 ، شرح الأشموني 2 / 444 ، المقرب 1 / 177 ، ابن يعيش 2 / 16 ، الدر المصون 3 / 210 .