عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

489

اللباب في علوم الكتاب

يدخل أنواع الكلاب والسّباع والسّنانير ، ويدخل فيه الطّيور التي تصطاد ؛ لأن هذه الصّفة تعمّهم . وإذا ثبت هذا ؛ فنقول : قوله - تعالى - : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين : الأول : أن قوله : « وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا » كذا وكذا يفيد الحصر في اللّغة . والثاني : أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حقّ الكلّ ، لم يبق لقوله : « وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا » فائدة ؛ فثبت أنّ تحريم السّباع ، وذوي المخلب من الطّير مختص باليهود ، فوجب ألا تكون محرّمة على المسلمين ، وعند هذا نقول : ما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - حرّم كل ذي ناب من السّباع ، وكل ذي مخلب من الطّير ضعيف ؛ لأنه خبر واحد على خلاف كتاب اللّه ، فلا يكون مقبولا ، وهذا يقوي قول مالك في هذه المسألة . قوله : « وَمِنَ الْبَقَرِ » فيه وجهان : أحدهما : أنه معطوف على « كُلَّ ذِي » ، فتتعلّق « من » ب « حرّمنا » الأولى لا الثانية ، وإنّما جيء بالجملة الثانية مفسّرة لما أبهم في « من » التّبعيضيّة من المحرّم ؛ فقال : « حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما » . والثاني : أن يتعلّق ب « حرّمنا » المتأخّرة ، والتقدير : وحرّمنا على الذين هادوا من البقر والغنم شحومهما ، فلا يجب هنا تقديم المجرور بها على الفعل ، بل يجوز تأخره على الفعل كما تقدّم ، ولكن لا يجوز تأخيره عن المنصوب بالفعل ؛ فيقال : حرّمنا عليهم شحومهما من البقر والغنم ؛ لئلا يعود الضّمير على متأخّر لفظا ورتبة . وقال أبو البقاء « 1 » : « ولا يجوز أن يكون « من البقر » متعلّقا ب « حرّمنا » الثانية » . قال أبو حيّان « 2 » : « وكأنه قد توهّم أن عود الضّمير مانع من التعلّق ؛ إذ رتبة المجرور ب « من » التّأخير ، لكن عن ماذا ؟ أما عن الفعل فمسلّم ، وأما عن المفعول فغير مسلّم » يعني : أنه إن أراد أنّ رتبة قوله : « من البقر » التأخير عن شحومهما ، فيصير التقدير : حرمنا عليهم شحومهما من البقر ؛ فغير مسلّم ، ثم قال أبو حيّان : « وإن سلّمنا أن رتبته التّأخير عن الفعل والمفعول ، فليس بممنوع ، بل يجوز ذلك كما جاز : « ضرب غلام المرأة أبوها » و « غلام المرأة ضرب أبوها » ، وإن كانت رتبة المفعول التّأخير ، لكنه وجب هنا تقديمه ؛ لعود الضّمير الذي في الفاعل الذي رتبته التّقديم عليه ، فكيف بالمفعول الذي هو والمجرور في رتبة واحدة ؟ أعني في كونها فضلة . فلا يبالي فيهما بتقديم أيّهما شئت على الآخر ؛ قال الشاعر : [ الطويل ]

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 264 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 245 .