عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

480

اللباب في علوم الكتاب

جملة مستقلّة بنفسها فتقدّر ب « بل » والهمزة ، والتّقدير : بل أكنتم شهداء ، و « إذ » : منصوب ب « شهداء » أنكر عليهم ما ادّعوه ، وتهكّم بهم في نسبتهم إلى الحضور في وقت الإيصاء بذلك ، و « بهذا » : إشارة إلى جميع ما تقدّم ذكره من المحرّمات عندهم . فصل فيما كان عليه أهل الجاهلية قال المفسّرون : إن أهل الجاهليّة كانوا يقولون : هذه الأنعام حرث حجر ، وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ، ومحرّم على أزواجنا وحرّموا البحيرة والسّائبة والوصيلة والحام ، وكانوا يحرّمون بعضها على الرّجال والنّساء ، وبعضها على النّساء دون الرّجال ، فلمّا قام الإسلام [ وبيّنت ] « 1 » الأحكام ، جادلوا النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وكان خطيبهم مالك بن عوف أخو الأحوص الخيثمي ؛ فقالوا : يا محمّد ، بلغنا أنّك تحرّم أشياء ممّا كان آباؤنا يفعلونه ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّكم حرّمتم أصنافا من النّعم على غير أصل ، وإنما خلق اللّه هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها ، فمن أين جاء هذا التّحريم : من قبل الذكر ، أم من قبل الأنثى » ؟ قال : فسكت مالك بن عوف ، وتحيّر فلم يتكلّم ، فلو قال : جاء التّحريم بسبب الذكورة ؛ وجب أن يحرّم جميع الذّكور ، وإن كان بسبب الأنوثة ، وجب أن يحرّم جميع الإناث ، وإن كان باشتمال الرّحم عليه ، فينبغي أن يحرّم الكلّ ؛ لأن الرّحم لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى ، أمّا تخصيص الرّحم بالولد الخامس أو السّابع ، أو بالبعض دون البعض ، فمن أين ؟ قال ابن الخطيب « 2 » - رحمه اللّه - : وهذا عندي بعيد جدا ؛ لأن لقائل أن يقول : هب أن هذه الأنواع - أعني الضّأن ، والمعز ، والإبل ، والبقر محصورة في الذّكر والإناث ، إلّا أنه لا يجب أن يكون علّة تحريم ما حكوا بتحريمه محصورة في الذّكورة والأنوثة ؛ بل علة تحريمها لكونها بحيرة أو سائبة أو وصيلة أو حاما أو سائر الاعتبارات ؛ كما أنّا إذا قلنا : إنه - تعالى - حرّم ذبح بعض الحيوان لأجل الأكل . فإذا قيل : إنّ ذلك الحيوان إن كان قد حرّم لكونه ذكرا ، وجب أن يحرّم كل حيوان ذكر ، وإن كان قد حرّم لكونه أنثى ، وجب أن يحرّم كل حيوان أنثى ، ولما لم يكن هذا الكلام لازما علينا ، فكذا هذا الوجه الّذي ذكره المفسّرون في هذه الآية الكريمة ، ويجب على العاقل أن يذكر في تفسير كلام اللّه وجها صحيحا ، فأمّا تفسيره بالوجه الفاسد فلا يجوز ، والأقرب عندي وجهان : أحدهما : أن يقال : إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم ، بل هو استفهام على سبيل الإنكار ، يعني : إنكم لا تقرّون بنبوّة نبيّ ، ولا تعرفون شريعة شارع ، فكيف تحكمون بأن هذا يحلّ ، وأن ذلك يحرّم .

--> ( 1 ) في ب : ثبتت . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 178 .