عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

467

اللباب في علوم الكتاب

الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 69 ] فالآية المتقدمة ذكر فيها خمسة أنواع : وهي الزّرع ، والنخل ، وجنّات من أعناب ، والزيتون والرّمّان ، وذكر في هذه الآية الكريمة [ هذه الخمسة وقال : ] « مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ » وهنا « مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ » وذكر في الآية المتقدمة : « انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ » وذكر في هذه الآية : « كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ » فأذن في الانتفاع بها ، وأمر بصرف جزء منها إلى الفقراء ، فالذي حصل به الامتياز بين الآيتين : أن هناك أمر بالاستدلال بها على الصّانع الحكيم وههنا أذن في الانتفاع بها ، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على الصّانع الحكيم مقدّم على الإذن في الانتفاع ؛ لأن الاستدلال على الصّانع يحصل به سعادة أبدية ، والانتفاع يحصل به سعادة جسمانيّة سريعة الانقضاء والأول أولى بالتّقديم . وقال القرطبي « 1 » : ووجه اتّصال هذا بما قبله : أن الكفّار لما افتروا على اللّه الكذب ، وأشركوا معه وحلّلوا أو حرّموا ، دلّهم على وحدانيّته بأنه خالق الأشياء ، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقا لهم . قوله : « أَنْشَأَ جَنَّاتٍ » أي : خلقها ، يقال : نشأ الشّيء ينشأ نشأه ونشاءة ، إذا ظهر وارتفع ، واللّه ينشئه إنشاء ، أي : يظهره ويرفعه . وقوله : « معروشات » يقال : عرشت الكرم أعرشه عرشا وعرّشته تعريشا إذا عطفت العيدان الّتي تشال عليها قضبان الكرم ، والواحد عرش ، والجمع عروش ، ويقال : عريش وجمعه عرش ، واعترش العنب العريش اعتراشا ، وفيه أقوال : أحدها : قال الضّحّاك : إن المعروشات وغير المعروشات كلاهما الكرم « 2 » ؛ فإن بعض الأعناب يعرّش وبعضها لا يعرّش ، بل يبقى على وجه الأرض منبسطا . وثانيها : المعروشات : العنب الّتي يجعل لها عروش ، وغير المعروشات : كلّ ما ينبت منبسطا على وجه الأرض ؛ مثل القرع والبطّيخ « 3 » . وثالثها : قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : المعروشات : ما يحتاج أن يتّخذ له عريش يحمل عليه ؛ مثل الكرم والبطّيخ والقرع وغيرها ، وغير المعروش : هو القائم على ساقه كالنّخل والزّرع « 4 » . ورابعها : المعروشات : ما يحصل في البساتين والعمرانات مما يغرسه النّاس ، وغير المعروشات : مما أنبته اللّه - تبارك وتعالى - وجني في البراري والجبال .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير القرطبي 7 / 65 . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 173 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 13 / 173 ) عن ابن عباس .