عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

461

اللباب في علوم الكتاب

أحدها - وهو مذهب سيبويه « 1 » - : أنه مفعول من أجله ، أي : قالوا ما تقدّم لأجل الافتراء على الباري - تبارك وتعالى - أي : يزعمون أن اللّه أمرهم به افتراء عليه . الثاني : مصدر على غير الصّدر ؛ لأن قولهم المحكي عنهم افتراء ، فهو نظير « قعد القرفصاء » وهو قول الزّجّاج « 2 » . الثالث : أنه مصدر عامله من لفظه مقدّر ، أي : افتروا ذلك افتراء . الرابع : أنه مصدر في موضع الحال ، أي : قالوا ذلك حال افترائهم ، وهي تشبه الحال المؤكّدة ؛ لأن هذا القول المخصوص لا يكون قائله إلّا مفتريا . وقوله « على الله » يجوز تعلّقه ب « افتراء » على القول الأوّل والرّابع ، وعلى الثاني والثّالث ب « قالوا » لا ب « افتراء » ؛ لأن المصدر المؤكد لا يعمل ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف صفة ل « افتراء » وهذا جائز على كل الأقوال . قوله : سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ والمقصود منه الوعيد ، و « الباء » في قوله : « بما » سببيّة ، و « ما » مصدريّة ، أو موصوفة ، أو بمعنى الّذي . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 139 ] وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 139 ) هذا نوع رابع من قضاياهم الفاسدة . قال ابن عبّاس ، وقتادة والشعبي : أراد أجنّة البحائر والسّوائب ، فما ولد منها حيّا ، فهو خالص للرّجال دون النّساء ، وما ولد منها ميّتا ، أكله الرّجال والنّساء جميعا « 3 » . والجمهور « 4 » على « خالصة » بالتّأنيث مرفوعا على أنه خبر « ما » الموصولة ، والتّأنيث : إمّا حملا على المعنى ؛ لأن الذي في بطون الأنعام أنعام ، ثم حمل على لفظها في قوله : « ومحرّم » ، وإمّا لأنّ التّأنيث للمبالغة كهو في « علّامة » و « نسّابة » و « راوية » و « الخاصّة » و « العامّة » ، وإما لأنّ « خالصة » مصدر على وزن « فاعلة » كالعاقبة والعافية ؛ وقال - تبارك وتعالى - : بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ ص : 46 ] وهذا

--> ( 1 ) ينظر : الكتاب 1 / 164 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 323 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 357 ) عن ابن عباس ومجاهد والسدي . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 91 ) عن ابن عباس وعزاه لابن مردويه وأبي الشيخ وابن أبي حاتم . وذكره أيضا ( 3 / 90 ) عن مجاهد بمعناه وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 4 ) المحرر الوجيز 2 / 351 ، الدر المصون 3 / 196 ، والبحر المحيط 4 / 234 .