عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
436
اللباب في علوم الكتاب
فإن قيل : كيف أقرّوا في هذه الآية الكريمة بالكفر ، وجحدوا في قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] . فالجواب : يوم القيامة يوم طويل ، والأحوال فيه مختلفة ، فتارة يقرّون وأخرى يجحدون ، وذلك يدلّ على شدّة الخوف واضطراب أحوالهم ، فإن من عظم خوفه ، كثر الاضطراب في كلامه ، قال - تبارك وتعالى - : وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي : أنهم إنّما وقعوا في الكفر بسبب أنّ الحياة الدّنيا غرّتهم ، حتى لم يؤمنوا وشهدوا على أنفسهم أنّهم كانوا كافرين ، وحمل مقاتل قوله « وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ » بأنه تشهد عليهم الجوارح بالشّرك والكفر ومقصوده دفع التكرار عن الآية الكريمة ، وهذه الآية تدلّ على أنّه لا تكليف قبل ورود الشّرع ، وإلّا لم يكن لهذا التّعليل فائدة . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 131 ] ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) قوله : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مبتدأ محذوف الخبر ، أي : ذلك الأمر . الثاني : عكس ذلك الأمر . الثالث : أنه منصوب بإضمار فعل ، أي : فعلنا ذلك ، وإنما يظهر المعنى إذا عرف المشار إليه ، وهو يحتمل أن يكون إتيات الرّسل قاصّين الآيات ، ومنذرين بالحشر والجزاء ، وأن يكون ذلك الّذي قصصنا من أمر الرّسل وأمر من كذّب ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى السّؤال المفهوم من قوله : « أَ لَمْ يَأْتِكُمْ » وقوله : « أَنْ لَمْ يَكُنْ » يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه على حذف لام العلّة أي : ذلك الأمر الّذي قصصنا ، أو ذلك الإتيان ، أو ذلك السّؤال لأجل « أَنْ لَمْ يَكُنْ » فلما حذفت اللّام احتمل موضعها الجرّ والنّصب كما عرف مرارا . والثاني : أن يكون بدلا من ذلك . قال الزّمخشري « 1 » : ولك أن تجعله بدلا من ذلك ؛ كقوله : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [ الحجر : 66 ] انتهى . فيجوز أن يكون في محلّ رفع أو نصب على ما تقدّم في ذلك ، إلّا أنّ الزّمخشري القائل بالبدليّة لم يذكر لأجل ذلك إلّا الرّفع على خبر مبتدأ مضمر ، و « أن » يجوز أن تكون النّاصبة للمضارع ، وأن تكون مخفّفة ، واسمها ضمير الشّأن ، و « لم يكن » في محلّ رفع خبرها ، وهو نظير قوله : أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ [ طه : 89 ] . وقوله : [ البسيط ]
--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 67 .