عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
422
اللباب في علوم الكتاب
أن يضلّه » فلم قلتم : إن المراد : ومن يرد أن يضلله عن الإيمان . وثالثها : أنه - تبارك وتعالى - بيّن في آخر الآية الكريمة ، أنه إنّما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره ، وأنّه ليس ذلك على سبيل الابتداء ، فقال : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ . ورابعها : أنّ قوله - تبارك وتعالى - : وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً يدلّ على تقدّم الضّيق والحرج على حصول الضّلال ، وأن لحصول ذلك المتقدّم أثر في حصول الضّلال ، وذلك باطل بالإجماع ، أما عندنا ، فلا نقول به وأمّا عندكم ؛ فلأن المقتضي لحصول الجهل والضّلال هو اللّه - تبارك وتعالى - يخلقه فيه بقدرته . وأما المقام الثاني : فهو تفسير الآية الكريمة على ما يطابق مذهبنا ، وذلك من وجوه : الأول : وهو اختيار الجبّائي « 1 » ، ونصره القاضي « 2 » أن تقدير الآية الكريمة : فمن يرد اللّه أن يهديه إلى طريق الجنّة ، يشرح صدره للإسلام ، حتى يثبت عليه ولا يزول عنه ، وتفسير هذا الشّرح : هو أنّه - تعالى - يفعل به ألطافا تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثّبات عليه ، وهذه الألطاف لا يمكن فعلها بالمؤمن ، إلّا بعد أن يصيّره مؤمنا حتّى يدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه ، وإليه الإشارة بقوله - تبارك وتعالى - : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [ التغابن : 11 ] وبقوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] ، فإذا آمن العبد وأراد ثباته على الإيمان ، فحينئذ يشرح صدره ، أي : يفعل به الألطاف الّتي تقتضي ثباته على الإيمان ودوامه عليه ، وأمّا إذا كفر وعاند وأراد اللّه - تبارك وتعالى - أن يضلّه عن طريق الجنّة ، فعند ذلك « 3 » يلقي في صدره الضّيق والحرج ، ثم سأل الجبّائي نفسه ، فقال : كيف يصحّ ذلك ونجد الكفّار طيّبي النّفوس ، لا غمّ لهم ألبتّة ولا حزن « 4 » . وأجاب عنه : بأنّه - تبارك وتعالى - لم يخبر بأنّه يفعل بهم ذلك في كلّ وقت ، فلا يمتنع كونهم في بعض الأوقات طيّبي القلوب ، وسأل القاضي نفسه على هذا الجواب سؤالا آخر ، فقال : فيجب أن تقطعوا في كلّ كافر بأنّه يجد في نفسه ذلك الضّيق في بعض الأوقات . وأجاب عنه : بأنّه قال : وكذلك نقول ودفع ذلك لا يمكن خصوصا عند ورود أدلّة اللّه - تبارك وتعالى - ، وعند ظهور نصرة اللّه للمؤمنين ، وعند ظهور الذّلّة والصّغار فيهم . التّأويل الثاني : أن المراد : فمن يرد اللّه أن يهديه إلى الجنّة ، فيشرح صدره للإسلام
--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 146 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) في أ : فحينئذ . ( 4 ) ينظر : الرازي 13 / 146 .