عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
421
اللباب في علوم الكتاب
قال شهاب الدين « 1 » : « ولا أدري كيف توهّم كون هذه الهاء الدّالّة على الوحدة في مفرد أسماء الأجناس ؛ كثمرة وبرّة ونبقة للمبالغة ، كهي في رواية ونسّابة وفروقة ؟ فصل في الدلالة من الآية تمسّك أهل السّنّة بهذه الآية الكريمة في أن الهداية والضّلال من اللّه - تعالى - ؛ لأن لفظها يدلّ على المسألة ، ويدل على الدّليل العقليّ المتقدّم في المسألة وهو العلم والدّاعي ، وبيانه أن العبد قادر على الإيمان والكفر ، وقدرته بالنّسبة إلى هذين الأمرين على السّويّة ، فيمتنع صدور الإيمان عنه بدلا من الكفر ، أو الكفر بدلا من الإيمان ، إلّا إذا حصل في القلب داعية إليه ، وتلك الدّاعية لا معنى لها ، إلّا علمه أو اعتقاده أو ظنّه بكون ذلك الفعل مشتملا على مصلحة زائدة ، ومنفعة راجحة ، فإذا حصل هذا المعنى في قلبه ، دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشّيء ، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظنّ بكون ذلك الفعل مشتملا على مفسدة راجحة وصور زائدة ، دعاه ذلك إلى تركه ، وثبت أن حصول هذه الدّواعي لا بدّ وأن تكون من اللّه - تعالى - ، وإذا ثبت ذلك فنقول : يستحيل أن يصدر الإيمان عن العبد إلّا إذا خلق اللّه في قلبه اعتقاد أنّ الإيمان راجح المنفعة ، زائد المصلحة ، فحينئذ يميل قلبه وترغب نفسه في تحصيله ، وهذا هو انشراح الصّدر للإيمان ، فإن حصل في القلب أنّه مفسدة عظيمة في الدّين والدّنيا ، وأنه يوجب المضارّ الكثيرة ، فحينئذ يترتّب على هذا الاعتقاد نفرة عظيمة عن الإيمان ، وهذا هو المراد من أنّه - تبارك وتعالى - يجعل صدره ضيّقا حرجا . قالت المعتزلة « 2 » : لنا ههنا مقامان : الأوّل : في بيان أنّه لا دلالة لكم في هذه الآية الكريمة . والثاني : التّأويل المطابق لمذهبنا . أما المقام الأول : فتقريره من وجوه : أحدها : أن هذه الآية الكريمة ليس فيها أنه - تبارك وتعالى - أضلّ قوما أو يضلّهم ؛ لأنّه ليس فيها إلّا أنه [ متى أراد أن يهدي إنسانا ، فعل به كيت وكيت ، وإذا أراد إضلاله فعل به كيت وكيت ، وليست الآية أنّه ] « 3 » - تعالى - يريد ذلك أو لا يريد ذلك ، ويدلّ عليه قوله - تبارك وتعالى - : لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ [ الأنبياء : 17 ] ، فبين أنه - تبارك وتعالى - كيف يفعل اللّهو لو أراده ، ولا خلاف أنّه - تبارك وتعالى - لا يريد ذلك ولا يفعله . وثانيها : أنه - تعالى - لم يقل : ومن يرد أن يضلّه عن الإسلام ، بل قال : « ومن يرد
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 176 - 177 . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 146 . ( 3 ) سقط في أ .