عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
420
اللباب في علوم الكتاب
مستقلّ ، ومادّة مستقلّة متصرّفة ، نحو : « حرج يحرج فهو حرج وحارج » بخلاف تيك الألفاظ ، فإنّ معناها يضطرّ فيه إلى الأخذ من الأسماء الجامدة ، فإن معنى قولك : استنوق الجمل ، أي : « صار كالنّاقة » ، واستحجر الطّين ، أي : « صار كالحجر » ، وليس لنا مادّة متصرّفة إلى صيغ الأفعال من لفظ الحجر والنّاقة ، وأنت إذا قلت : حرج صدره ليس بك ضرورة أن تقول : « صار كالحرجة » بل معناه : « تزايد ضيقه » ، وأما تشبيه عمر بن الخطّاب ، فلإبرازه المعاني في قوالب الأعيان ؛ مبالغة في البيان . وقرأ « 1 » نافع وأبو بكر عن عاصم : « حرجا » بكسر الراء والباقون : بفتحها وقد عرفا ، فأمّا على قراءة الفتح ، فإن كان مصدرا ، جاءت فيه الأوجه الثلاثة المتقدّمة في نظائره ، وإن جعل صفة ، فلا تأويل . ونصبه على القراءتين : إمّا على كونه نعتا ل « ضيّقا » ، وإمّا على كونه مفعولا به تعدّد ، وذلك أنّ الأفعال النّواسخ إذا دخلت على مبتدأ وخبر ، كان الخبران على حالهما ، فكما يجوز تعدّد الخبر مطلقا أو بتأويل في المبتدأ والخبر الصّريحين ، كذلك في المنسوخين حين تقول : « زيد كاتب شاعر فقيه » ثم تقول : ظننت زيدا كاتبا شاعرا فقيها ، فتقول : « زيدا » مفعول أوّل ، « كاتبا » مفعول ثان ، « شاعرا » مفعول ثالث ، « فقيها » مفعول رابع ؛ كما تقول : خبر ثان وثالث ورابع ولا يلزم من هذا أن يتعدّى الفعل لثلاثة ولا أربعة ؛ لأن ذلك بالنّسبة إلى تعدّد الألفاظ ، فليس هذا كقولك في : أعلمت زيدا عمرا فاضلا ، إذ المفعول الثّالث هناك ليس متكرّرا لشيء واحد ؛ وإنما بيّنت هذا لأن بعض النّاس وهم في فهمه ، وقد ظهر لك ممّا تقدّم أن قوله : « ضَيِّقاً حَرَجاً » ليس فيه تكرار . وقال مكّي « 2 » : « ومعنى حرج - يعني بالكسر - كمعنى ضيّق ، كرّر لاختلاف لفظه للتأكيد » . قال شهاب الدّين : إنما يكون للتأكيد حيث لم يظهر بينها فارق فتقول : كرّر لاختلاف اللّفظ ؛ كقوله : صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [ البقرة : 157 ] وكقوله : [ الوافر ] 2309 - . . . * وألفي قولها كذبا ومينا « 3 » وقوله : [ الطويل ] 2310 - . . . * وهند أتى من دونها النّأي والبعد « 4 » وأما هنا فقد تقدّم الفرق بينهما بالعموم والخصوص أو غير ذلك . وقال أبو البقاء « 5 » : « وقيل : هو جمع « حرجة » مثل قصبة وقصب ، والهاء فيه للمبالغة » .
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 220 ، المحرر الوجيز 2 / 343 ، والدر المصون 3 / 176 . ( 2 ) ينظر : المشكل 1 / 388 . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) ينظر : الإملاء 1 / 260 .