عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
415
اللباب في علوم الكتاب
أعظم مما فرّ منه الجمهور ، وذلك أنه يلزمه على ما قدّر أنّ علم اللّه في نفسه يتفاوت بالنسبة إلى الأمكنة ، فيكون في مكان أبعد منه في مكان ، ودعواه مجاز الظرفيّة لا ينفعه ؛ فيما ذكرته من الإشكال ، وكيف يقال مثل هذا ؟ وقوله : « نصّ النحاة على عدم تصرّفها » هذا معارض - أيضا - بأنهم نصّوا على أنها قد تتصرّف بغير ما ذكر هو من كونها مجرورة ب « لدى » أو « إلى » أو « في » فمنه : أنها جاءت اسما ل « إنّ » في قول الشاعر : [ الخفيف ] 2305 - إنّ حيث استقرّ من أنت راجي * ه حمى فيه عزّة وأمان « 1 » ف « حيث » اسم « إنّ » ، و « حمى » خبرها ، أي : إنّ مكانا استقرّ من أنت راعيه مكان يحمى فيه العزّ والأمان ، ومن مجيئها مجرورة ب « إلى » قول القائل في ذلك : [ الطويل ] 2306 - فشدّ ولم ينظر بيوتا كثيرة * إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم « 2 » وقد يجاب عن الإشكال الذي أوردته عليه ، بأنه لم يرد بقوله « أنفذ علما » التفضيل ، وإن كان هو الظاهر بل يريد مجرد الوصف ؛ ويدلّ على ذلك قوله : أي هو نافذ العلم في الموضع الذي يجعل فيه رسالاته ، ولكن كان ينبغي أن يصرّح بذلك ، فيقول : وليس المراد التفضيل . وروي « حيث يجعل » بفتح الثاء ، وفيها احتمالان : أحدهما : أنها فتحة بناء ؛ طردا للباب . والثاني : أنها فتحة إعراب ؛ لأنها معربة في لغة بني فقعس ، حكاها الكسائي . [ وفي « حيث » ستّ لغات : حيث : بالياء بتثليث الثاء ، وحوث : بالواو ، مع تثليث الثاء ] « 3 » . وقرأ « 4 » ابن كثير ، وحفص عن عاصم « رسالته » بالإفراد ، والباقون : « رسالاته » بالجمع ، وقد تقدّم توجيه ذلك في المائدة « 5 » ؛ إلا أن بعض من قرأ هناك بالجمع - وهو حفص - قرأ هنا بالإفراد ، وبعض من قرأ هناك بالإفراد - وهو أبو عمرو ، والأخوان ، وأبو بكر ، عن عاصم - قرأ هنا بالجمع ، ومعنى الكلام : « اللّه أعلم بمن هو أحقّ بالرّسالة » . قوله : سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ قيل : المراد بالصّغار ذل وهوان يحصل لهم في الآخرة .
--> ( 1 ) ينظر : الدرر 3 / 129 ، مغني اللبيب 1 / 132 ، همع الهوامع 1 / 212 ، الدر المصون 3 / 173 . ( 2 ) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ( 22 ) ، خزانة الأدب 3 / 15 ، 7 / 8 ، 13 ، 17 ، الدرر 3 / 127 ، شرح شواهد المغني 1 / 384 ، لسان العرب ( قشعم ) ، مغني اللبيب 1 / 131 ، همع الهوامع 1 / 212 ، الدر المصون 3 / 173 . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 173 ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 29 . ( 5 ) الآية : 67 .