عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
413
اللباب في علوم الكتاب
بها منك ؛ لأني أكبر منك سنّا ، وأكثر منك مالا ، وولدا ؛ فنزلت الآية الكريمة . وقال الضحاك : أراد كلّ واحد منهم أن يخصّ بالوحي ، والرسالة ؛ كما أخبر تعالى عنهم : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً « 1 » [ المدثر : 52 ] فظاهر هذه الآية الكريمة التي نحن في تفسيرها يدلّ على ذلك أيضا ، وهذا يدلّ على أنّ جماعة منهم كانوا يقولون هذا الكلام . وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل ؛ وذلك أنّه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف ؛ حتّى إذا صرنا كفرسي رهان ، قالوا منّا نبيّ يوحى إليه ، واللّه لن نؤمن به ، ولن نتّبعه أبدا ؛ إلّا أن يأتينا وحي ، كما يأتيه ؛ فأنزل اللّه - تبارك وتعالى - الآية « 2 » . وقوله : لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ . فيه قولان : أشهرهما : أن القوم أرادوا أن تحصل لهم النبوة ، والرّسالة ؛ كما حصلت لمحمّد صلى اللّه عليه وسلم وأن يكونوا متبوعين لا تابعين . والقول الثاني : نقل عن الحسن ، وابن عبّاس أن المعنى : وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع النبي صلى اللّه عليه وسلم قالوا : « لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً . . . » إلى قوله : حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [ الإسراء : 93 ] من اللّه - عزّ وجلّ - إلى أبي جهل ، وإلى فلان وفلان ، كتابا على حدة « 3 » ؛ وعلى هذا فالتقدير ما طلبوا النبوة وإنّما طلبوا أن يأتيهم بآيات قاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين ؛ كي تدل على صحّة نبوّة محمد - عليه الصّلاة والسّلام - . قال المحقّقون « 4 » : والأوّل أقوى لأنّ قوله تبارك وتعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ لا يليق إلّا بالقول الأوّل . وقوله : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ فيه تنبيه على أنّ أقلّ ما لا بدّ منه في حصول النّبوة ، والرسالة ؛ البراءة عن المكر ، والخديعة ، والغدر ، والغلّ ، والحسد ، وقولهم لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ عين المكر ، والغل والحسد ؛ فكيف تحصل النبوة ، والرسالة مع هذه الصفات الذّميمة ؟ . قوله تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ . في « حيث » هذه وجهان : أحدهما : أنّها خرجت عن الظرفيّة ، وصارت مفعولا بها على السّعة ، وليس العامل
--> ( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي ( 13 / 143 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي ( 13 / 144 ) . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق .