عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
405
اللباب في علوم الكتاب
فلا تأكلونه ، وعن ابن عباس : إنّهم قالوا : تأكلون ما تقتلونه ، ولا تأكلون ما يقتله اللّه - تعالى - « 1 » ، وهذه المناظرات مخصوصة بأكل الميتة ، وقال - تبارك وتعالى - : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النّصب ، يعني : لو رضيتم بهذه الذّبيحة الّتي ذبحت على اسم الهديّة للأوثان ، فقد رضيتم بإلهيّتها فذلك يوجب الشّرك . قال الشّافعي : فأوّل الآية الكريمة ، وإن كان عامّا بحسب الصّيغة ، إلّا أن آخرها لمّا حصلت فيه هذه القيود الثلاثة ، علمنا أن المراد من العموم : الخصوص ، وعن عائشة - رضي اللّه عنها - قالوا : يا رسول اللّه إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتوننا باللّحم ، لا يدرى يذكرون اسم اللّه عليها أم لا ، قال : « اذكروا أنتم اسم اللّه ، وكلوا » ولو كانت التّسمية شرطا للإباحة ، كان الشكّ في وجودها مانعا كالشكّ في أصل الذّبح . قوله : « وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ » هذه الجملة فيها أربعة أوجه : أحدها : أنّها مستأنفة ، قالوا : ولا يجوز أن تكون منسوقة على ما قبلها ؛ لأن الأولى طلبيّة ، وهي خبريّة ، وتسمّى هذه الواو ، واو الاستئناف . والثاني : أنّها منسوقة على ما قبلها ، ولا يبالي بتخالفهما ، وهو مذهب سيبويه ، وقد تقدّم تحقيق ذلك ، [ وقد أوردت من ذلك شواهد صالحة من شعر وغيره ] « 2 » . الثالث : أنّها حاليّة ، أي : « لا تأكلوه ، والحال : أنّه فسق » . وقد تبجّح الإمام « 3 » الرّازي بهذا الوجه على الحنفيّة ، حيث قلب دليلهم عليهم بهذا الوجه ، وذلك أنّهم يمنعون من أكل متروك التّسمية ، والشّافعيّة لا يمنعون منه استدل عليهم الحنفيّة بظاهر هذه الآية . فقال الرّازي : هذه الجملة حاليّة ، ولا يجوز أن تكون معطوفة لتخالفهما طلبا وخبرا ، فتعيّن أن تكون حاليّة ، وإذا كانت حاليّة ، كان المعنى : « لا تكلوه حال كونه مفسّقا » ، ثم هذا الفسق مجمل قد فسّره اللّه تعالى في موضع آخر ، فقال : « أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » يعني : أنه إذا ذكر على الذّبيحة غير اسم اللّه ، فإنّه لا يجوز أكلها ؛ لأنّه فسق . ونحن نقول به ، ولا يلزم من ذلك أنّه إذا لم يذكر اسم اللّه ، ولا اسم غيره ، أن تكون حراما ؛ لأنه ليس بالتّفسير الذي ذكرناه ، والنّزاع فيه محال من وجوه : منها : أنّنا لا نسلّم امتناع عطف الخبر على الطّلب ، والعكس ، كما قدّمته عن سيبويه ، وإن سلّم ، فالواو للاستئناف ، كما تقدم ، وما بعدها مستأنف ، وإن سلّم أيضا ،
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 2 / 111 ) كتاب الصيد : باب في أكل ذبائح أهل الكتاب حديث ( 2819 ) عن ابن عباس . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 139 .