عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

392

اللباب في علوم الكتاب

وما يفترون » ثم قال لهم على سبيل التّهدي د « ولتصغى إليه أفئدتهم ، وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ » . الوجه الثاني : قال الكعبي « 1 » إنّ هذه اللّام لام العاقبة ، أي : ستئول عاقبة أمرهم إلى هذه الأحوال . قال القاضي « 2 » : ويبعد أن يقال : هذه العاقبة تحصل في الآخرة ؛ لأن الإلجاء حاصل في الآخرة . قال : فلا يجوز أن تميل قلوب الكفّار إلى قبول المذهب الباطل ، ولا أن يرضوه ، ولا أن يقترفوا الذّنوب ، بل يجب أن تحمل على أنّ عاقبة أمرهم في الدّنيا تئول إلى أن يقبلوا الأباطيل ، ويرضوا بها ، ويعملوا بها . الوجه الثالث : وهو الذي اختاره « 3 » أبو مسلم ، قال : اللّام في قوله : « وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ » متعلّق بقوله : « يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » والتّقدير : أن بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول ليغرّوا بذلك ، وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا الذّنوب ، ويكون المراد أنّ مقصود الشّياطين من ذلك الإيحاء : هو مجموع هذه المعاني . والجواب عمّا ذكره الجبّائي من وجوه ، ذكرها القاضي : أحدها : أن الواو في قوله : « ولتصغى » تقتضي تعلّقه بما قبله ، فحمله على الابتداء بعيد . وثانيها : أن اللّام في قوله : « ولتصغى » لام كي ، فيبعد أن يقال إنّه لام الأمر ، ويقرب ذلك من أن يكون تحريفا لكلام اللّه - تعالى - ، وأنه لا يجوز ، وأمّا قول الكعبي : بأنّها لام العاقبة ، فضعيف ؛ لأنهم أجمعوا على أن هذا مجاز ، وحمله على « كي » حقيقة أولى ، وأمّا قول أبي مسلم ، فهو أحسنها ، إلّا أن قوله : « يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » يقتضي أن يكون الغرض من ذلك الايحاء : هو التّغرير ، وإذا عطّفنا عليه قوله : « وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ » فهذا أيضا عين التغرير ، لا معنى التغرير ؛ لأنه يستميل إلى ما يكون باطنه قبيحا ، وظاهره حسنا . قوله : « وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ » عين هذه الاستمالة ، فلو عطفنا عليه ، لزم أن يكون المعطوف عين المعطوف عليه ، وأنّه لا يجوز ، أمّا إذا قلنا : تقدير الكلام : وكذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدوّا من شأنه أن يوحي زخرف القول ؛ لأجل التّغرير ، وإنما جعلنا مثل هذا الشّخص عدوّا للنّبي ؛ لتصغى إليه أفئدة الكفّار ، فيبعدوا بذلك السّبب عن قبول دعوة ذلك النّبيّ ، وحينئذ لا يلزم منه عطف الشّيء على نفسه ، فما ذكرناه أولى .

--> ( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 129 .