عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
38
اللباب في علوم الكتاب
لأن قولهم « لَوْ لا أُنْزِلَ » ليس مترتّبا على قوله : « لولا نزّلنا » و « لولا » هنا تحضيضيّة ، والضمير في « عليه » الظّاهر عوده على النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقيل : يجوز أن يعود على الكتاب أو القرطاس . والمعنى : لولا أنزل مع الكتاب ملك يشهد بصحّته ، كما يروى في القصّة أنه قيل له : لن نؤمن لك حتى تعرج « 1 » فتأتي بكتاب ، ومعه أربعة ملائكة يشهدون ، فهذا يظهر على رأي من يقول : إنّ الجملة من قوله : « وَقالُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ » معطوفة على جواب « لو » ، فإنّه يتعلّق به من حيث المعنى حينئذ . فصل في دحض شبهة منكري النبوة واعلم أنّ اللّه - تبارك وتعالى - أجاب عن هذه الشّبهة بوجهين : أحدهما : قوله : وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ومعنى القضاء : الإتمام والإلزام ، والمعنى : ولو أنزلنا ملكا لم يؤمنوا ، وإذا لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب ، وهذه سنّة اللّه تعالى في الكفّار . والوجه الثاني : أنّهم إذا شاهدوا الملك زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون ؛ لأنّ الآدمي إذا رأى الملك ، فإمّا أن يراه على صورته الأصليّة ، أو على صورة البشر ، فإن رآه على صورته الأصليّة غشي عليه ، وإن رآه على صورة البشر ، فحينئذ يكون المرئيّ شخصا على صورة البشر وذلك لا يتفاوت الحال فيه ، سواء كان هو ملكا أو بشرا ، ألا ترى أن جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم وأضياف لوط ، وخصّهم داود وجبريل حيث تخيّل لمريم بشرا سويا . واعلم أنّ عدم إرسال الملك فيه مصالح : أحدها : أن رؤية إنزال الملك على البشر آية قاهرة « 2 » ، فبتقدير نزوله على الكفّار ، فربّما لم يؤمنوا ، كما قال اللّه تبارك وتعالى وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ إلى قوله : ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الأنعام : 111 ] ، وإذا لم يؤمنوا وجب إهلاكهم بعذاب الاستئصال « 3 » . وثانيها : ما ذكرنا من عدم قدرتهم على رؤية الملائكة . وثالثها : أنّ إنزال الملك معجزة قاهرة جارية مجرى الإلجاء ، وإزالة الاختيار ، وذلك يخلّ بمصلحة التكليف . ورابعها : أنّ إنزال الملك وإن كان يدفع الشّبهات من الوجوه المذكورة ، لكنّه يقوّي الشّبهة من هذه الوجوه « 4 » .
--> ( 1 ) في ب : تفجر ، وعليه تكون آية الإسراء . ( 2 ) في أ : ظاهرة وفي الرازي 12 / 134 باهرة . ( 3 ) ينظر : الرازي 12 / 134 . ( 4 ) ينظر : الرازي 12 / 134 .