عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
379
اللباب في علوم الكتاب
حتّى نسألهم أحقّ ما تقوله أم باطل ، أو ائتنا باللّه والملائكة قبيلا ، أي : كفيلا بما تدّعيه ، فنزلت هذه الآية الكريمة « 1 » . وهذا يشكل باتّفاقهم على أنّ هذه السّورة نزلت دفعة واحدة ، بل الّذي ينبغي أن يكون المقصود منه : جواب ما ذكره بعضهم ، وهو أنّهم أقسموا باللّه جهد أيمانهم ، لو جاءتهم آية ليؤمننّ بها ، فذكر اللّه - تبارك وتعالى - هذا الكلام بيانا لكونهم كاذبين ، وأنّه لا فائدة في إنزال الآيات ، وإظهار المعجزات بعد المعجزات ، بل المعجزة الواحدة لا بد منها ليتميّز الصّادق عن الكاذب ، فأمّا الزيادة عليها ، فتحكم محض لا حاجة إليه ، وإلّا فلهم أن يطلبوا بعد ظهور المعجزة الثّانية ثالثة ، وبعد الثّالثة رابعة ، ويلزم منه ألّا تستقرّ الحجة ، وأن لا ينتهي الأمر إلى مقطع ومفصل ، وذلك يوجب سدّ باب النّبوات . قوله : « قبلا » قرأ « 2 » نافع ، وابن عامر : « قبلا » هنا وفي الكهف بكسر القاف ، وفتح الباء ، والكوفيّون هنا وفي الكهف بضمّها وأبو عمرو ، وابن كثير بضمّها هنا ، وكسر القاف ، وفتح الباء في الكهف ، وقرأ الحسن البصري ، وأبو حيوة ، وأبو رجاء بالضّمّ والسّكون . وقرأ أبيّ والأعمش « قبيلا » بياء مثنّاة من تحت بعد باء موحّدة مكسورة ، وقرأ طلحة بن مصرّف : « قبلا » بفتح القاف وسكون الباء . فأما قراءة نافع ، وابن عامر ففيها وجهان : أحدهما : أنّها بمعنى مقابلة ، أي : معاينة ومشاهدة ، وانتصابه على هذا الحال قاله أبو عبيدة « 3 » ، والفرّاء « 4 » ، والزّجّاج « 5 » ، ونقله الواحدي أيضا عن جميع أهل اللّغة ، يقال : « لقيته قبلا » أي عيانا . وقال ابن الأنباري : قال أبو ذرّ : قلت للنّبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنبيّا كان آدم ؟ فقال : نعم ، كان نبيّا كلّمه اللّه قبلا « 6 » وبذلك فسّرها ابن عبّاس ، وقتادة ، وابن زيد ، ولم يحك الزّمخشري غيره ، فهو مصدر في موضع الحال كما تقدّم . والثاني : أنّها بمعنى ناحية وجهة قاله المبرّد ، وجماعة من أهل اللّغة كأبي زيد ، وانتصابه حينئذ على الظّرف ، كقولهم : « لي قبل فلان دين » و « ما قبلك حقّ » ، ويقال :
--> ( 1 ) ذكره الفخر الرازي في « تفسيره » ( 13 / 123 ) عن ابن عباس . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 159 ، الحجة لأبي زرعة 267 السبعة 266 ، النشر 2 / 262 المشكل 1 / 265 التبيان 1 / 532 معاني القرآن للزجاج 2 / 311 للفراء 1 / 351 للأخفش 2 / 501 إعراب القراءات 1 / 167 . ( 3 ) ينظر : مجاز القرآن 1 / 204 . ( 4 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 351 . ( 5 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 311 . ( 6 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 51 ) وعزاه لعبد بن حميد والآجري في الأربعين من حديث أبي ذر .