عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
376
اللباب في علوم الكتاب
تعالى ] « 1 » إذا قلب قلوبهم وأبصارهم على ذلك الوجه ، بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات « 2 » . قال الجبّائي « 3 » : معناه : ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم في جهنّم ، على لهيب النّار وجمرها ؛ لنعذّبهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة في دار الدّنيا . وقال الكعبي « 4 » : المراد ب « وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ » : نفعل بهم كما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف ، من حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحدّ ؛ بسبب كفرهم . وقال القاضي « 5 » : المراد : ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات الّتي ظهرت ، فلا تجدهم يؤمنون بها آخرا كما لم يؤمنوا بها أوّلا وهذه وجوه ضعيفة . أما قول الجبّائي ؛ فمدفوع ؛ لأنه - تعالى - قال : « وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ » ثم عطف عليه ، وقال : « وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ » فقوله : « ونذرهم » ليس مما يحصل في الآخرة ، فكان سوءا للنّظم في كلام اللّه - تعالى - حيث قدّم المؤخّر ، وأخّر المقدم من غير فائدة . وأما قول الكعبي ؛ فضعيف ؛ لأنه إنما استحق الحرمان والخذلان على زعمه ؛ بسبب أنّهم قلّبوا أفئدة أنفسهم فكيف يحسن إضافته إلى اللّه تعالى في قوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ أي : نقلب القلب من حالة إلى حالة ، ومن صفة إلى صفة وعلى ما يقوله القاضي فليس الأمر كذلك ، بل القلب باق على حالة واحدة إلّا أنّه - تعالى - أدخل التّقليب والتّبديل في الدّلائل . فصل [ في فائدة تقديم ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار ] إنما قدّم اللّه - تعالى - ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار ؛ لأن موضع الدّواعي والصّوارف هو القلب [ فإذا حصلت الدّاعية في القلب ، انصرف البصر إليه شاء أم أبى ، وإذا حصلت الصّوارف في القلب ] « 6 » انصرف البصر عنه هو ، وإن كان يبصره بحسب الظاهر إلّا أنه لا يصير ذلك الإبصار سببا للوقوف على الفوائد المطلوبة وهو معنى قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ الأنعام : 25 ] ، فلما كان المعدن هو القلب ، وأما السّمع والبصر ؛ فهما آلتان للقلب كانا لا محالة تابعين لأحوال القلب ، فلهذا السّبب وقع الابتداء بذكر تقلّب القلوب ههنا ، ثم أتبعه بذكر السّمع .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 120 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : الرازي 13 / 120 . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق . ( 6 ) سقط في أ .