عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

348

اللباب في علوم الكتاب

الآن لا تصلح لذلك وجب أن يقال : إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسّة سادسة بها تحصل رؤية اللّه - تعالى - « 1 » وإدراكه . واستدلّ المعتزلة بهذه الآية الكريمة على نفي الرّؤية من وجهين : الأول : قالوا : الإدراك بالبصر عبارة عن الرّؤية بدليل لو قال قائل : أدركته ببصري ، وما رأيته ، أو قال : رأيته ، وما أدركته ببصري ، فإنّ كلامه يكون متناقضا ، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرّؤية ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال ، ويدل على صحّة هذا العموم وجهان : الأول : أنه يصح استثناء جميع الأشخاص ، وجميع الأحوال عنه ، فيقال : لا تدركه الأبصار إلّا بصر فلان وإلّا في الحالة الفلانيّة ، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل ، فثبت أن عموم هذه الآية الكريمة يفيد عموم النفي عن كلّ الأشخاص ، وفي جميع الأحوال ، وذلك يدلّ على أن أحدا لا يرى اللّه - تعالى - في حال من الأحوال . الثاني : أن عائشة - رضي اللّه عنها - لما أنكرت قول ابن عبّاس - رضي اللّه عنه - في أنّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم رأى ربّه ليلة المعراج تمسّكت بهذه الآية ، ولو لم تكن هذه الآية تفيد العموم بالنسبة إلى كلّ الأشخاص ، وكلّ الأحوال لما تمّ ذلك الاستدلال ، وكانت من أعظم « 2 » الناس بلغة العرب . الوجه الثاني : أن قوله : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ مدح وثناء ، فوجب أن يكون قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ مدحا وثناء ، وإلّا لزم أن يقال : إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء ، وذلك يوجب الرّكاكة وهي غير لائقة بكلام اللّه - تبارك وتعالى - وإذا ثبت هذا فنقول : كل ما كان عدمه « 3 » مدحا ، ولم يكن من باب الفعل كان ثبوته نقصا في حقّ اللّه - تبارك وتعالى - والنّقصان على اللّه محال . واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل ؛ لأنه تعالى تمدّح بنفي الظّلم عن نفسه في قوله : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ [ آل عمران : 108 ] وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] مع أنه تبارك وتعالى قادر على الظّلم عندهم ، وذكروا هذا القيد دفعا لهذا النّقض عن كلامهم فهذا [ غاية ] « 4 » تقرير كلامهم في هذا الباب . والجواب عن الأوّل من وجوه : أحدها : لا نسلّم أن إدراك البصر عبارة عن الرّؤية ؛ لأن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللّحوق والوصول ؛ قال تعالى : قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [ الشعراء : 61 ]

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 103 . ( 2 ) في أ : أهل . ( 3 ) في أ : عريمه . ( 4 ) سقط في أ .