عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

342

اللباب في علوم الكتاب

فقد كان على سبيل الإبداع ، فحصل الإبداع بذكر السماوات والأرض لا بذكر ما فيهما ، وإن أرادوا من الولادة الأمر المعهود في الحيوانات ، فهذا أيضا باطل من وجوه : أولها : أن الولادة لا تصحّ إلا ممن له زوجة وشهوة ينفصل عنه بجزء في باطن تلك الصّاحبة ، وهذه الأحوال إنما تثبت في حقّ الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق ، والحركة والسكون والشّهوة واللّذّة ، وكل ذلك على خالق العالم محال ، وهذا هو المراد من قوله : « أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ » . ثانيها : أن تحصيل الولد بهذا الطريق المعتاد إنما يصح في حق من لا يكون قادرا على الخلق ، وأمّا الخالق لكل الممكنات ، القادر على كل المحدثات ، فإذا أراد إحداث شيء قال له : « كن فيكون » ومن كان هذا صفته يمتنع إحداث شخص بطريق الولادة ، وهذا هو المراد من قوله : « خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ » . وثالثها : أن هذا الولد إمّا أن يكون قديما أو محدثا ، لا جائز أن يكون قديما ؛ لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لذاته وما كان واجبا لذاته غني عن غيره ، فيمتنع كونه ولدا لغيره ، فبقي أن يكون الولد محدثا ، وإذا كان والدا كان محدثا فنقول : إنه تبارك وتعالى عالم بجميع المعلومات ، فإما أن يعلم أن له في تحصيل الولد كمالا ونفعا أو يعلم أنه ليس الأمر كذلك ، فإن كان الأول فلا وقت يفرض أن اللّه - تعالى - خلق هذا الولد فيه إلّا والدّاعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلا قبله ، فيلزم حصول الولد قبل ذلك ، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليّا وهو محال . وإن علم أنه ليس في تحصيل الولد كمال ونفع ، فيجب ألّا يحدثه البتة ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وأما الاحتمال الثالث فذلك باطل غير متصوّر ، ولا مفهوم للعقل ، فالقول بإثبات الولادة بناء على ذلك محض الجهل ، وهو باطل . قوله : « ذلكم » أي : ذلكم الموصوف بتلك الصّفات المتقدمة اللّه تعالى فاسم الإشارة مبتدأ ، و « اللّه » تعالى خبره ، وكذا « ربكم » ، وكذا الجملة من قوله : « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » ، وكذا « خالق » . قال الزمخشري « 1 » : « وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة » . قال شهاب الدين « 2 » : وهذا عند من يجيز تعدّد الخبر مطلقا ، ويجوز أن يكون « اللّه » وحده هو الخبر ، وما بعده أبدال ، كذا قال أبو البقاء « 3 » ، وفيه نظر من حيث إنّ بعضها مشتقّ ، والبدل يقلّ بالمشتقّات ، وقد يقال : إنّ هذه وإن كانت مشتقّة ولكنها بالنّسبة إلى

--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 53 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 148 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 256 .