عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

269

اللباب في علوم الكتاب

فصل في تحرير معنى الهداية يجوز أن يكون المراد من هذه الهداية معرفة اللّه - تعالى - وتنزيهه عن الشرك ؛ لقوله تعالى بعده : وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإيمان لا يحصل إلّا بخلق اللّه تعالى . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 89 إلى 90 ] أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 ) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ( 90 ) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي : الكتب المنزّلة عليهم ، و « الحكم » يعني العلم والفقه ، و « النبوة » . والإشارة ب « أولئك » إلى الأنبياء الثمانية عشر المذكورين ، ويحتمل أن يكون المراد ب « آتَيْناهُمُ الْكِتابَ » أي : الفهم التّامّ لما في الكتاب ، والإحاطة بحقائقه ، وهذا هو الأولى ؛ لأن الثمانية عشر لم ينزل على كل واحد منهم كتابا إلهيا على التعيين . قوله « فَإِنْ يَكْفُرْ بِها » هذه « الهاء » تعود على الثلاثة الأشياء ، وهي : الكتاب والحكم والنبوة ، وهو قول الزمخشري . وقيل : يعود على « النبوة » فقط ؛ لأنها أقرب مذكور ، والباء في قوله : « لَيْسُوا بِها » متعلّقة بخبر « ليس » ، وقدم على عاملها ، والباء في « بكافرين » زائدة توكيدا . فصل في معنى الآية معنى قوله : « يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ » يعني أهل « مكة » فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ؛ قال ابن عباس : المراد بالقوم الأنصار ، وأهل « المدينة » ، وهو قول مجاهد « 1 » . وقال قتادة والحسن : يعني الأنبياء الثمانية عشر « 2 » . قال الزجاج « 3 » : ويدلّ عليه قوله بعد هذه الآية : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ . وقال أبو رجاء العطاردي « 4 » فإن يكفر بها أهل الأرض ، فقد وكّلنا بها أهل السماء ، يعني الملائكة ، وهو بعيد ؛ لأن اسم القوم كلّ ما يقع على غير بني آدم .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 260 ) عن ابن عباس ومجاهد وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 52 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 52 ) عن قتادة وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم . وأخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 260 ) . ( 3 ) ينظر : الفخر الرازي 13 / 56 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق .