عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
262
اللباب في علوم الكتاب
أحدها : أنها منصوبة على الظّرف ، و « من » مفعول « نرفع » ؛ أي : نرفع من نشاء مراتب ومنازل . والثاني : أن ينتصب على أنه مفعول ثان قدّم على الأوّل ، وذلك يحتاج إلى تضمين « نرفع » معنى فعل يتعدّى لاثنين ، وهو « نعطي » مثلا ، أي : نعطي بالرفع من نشاء درجات ، أي : رتبا ، فالدّرجات هي المرفوعة لقوله : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ [ غافر : 15 ] . وفي الحديث : « اللّهمّ ارفع درجته في علّيّين » ، وإذا رفعت الدرجة فقد رفع صاحبها . والثالث : ينتصب على حذف حرف الجرّ ؛ أي : إلى منازل ، أو إلى درجات . الرابع : أن ينتصب على التّمييز ، ويكون محوّلا من المفعوليّة ، فتؤول إلى قراءة الجماعة « 1 » ؛ إذ الأصل : « نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ » بالإضافة ، ثمّ حوّل كقوله : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [ القمر : 12 ] ، أي : عيون الأرض . الخامس : أنها منتصبة على الحال ، وذلك على حذف مضاف ، أي : ذوي درجات ، ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الأنعام : 165 ] ، وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ [ الزخرف : 32 ] وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى [ البقرة : 253 ] . وأما قراءة الجماعة « 2 » : ف « درجات » مفعول « نرفع » . فصل في معنى الدرجات قيل : الدّرجات درجات أعماله في الآخرة . وقيل : تلك الحجج درجات رفيعة ؛ لأنها توجب الثّواب العظيم . وقيل : نرفع درجات من نشاء بالعلم والفهم والفضيلة والعقل ، كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى . والخطاب في « إنّ ربّك » للرّسول محمد عليه الصلاة والسلام . وقيل : للخليل إبراهيم ، فعلى هذا يكون فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب منبّها بذلك على تشريف له وقوله : « حَكِيمٌ عَلِيمٌ » ؛ أي : إنما نرفع درجات من نشاء بمقتضى الحكمة والعلم ، لا بموجب الشّهوة والمجازفة ، فإن أفعال اللّه - تعالى - منزّهة عن العبث . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 84 إلى 88 ] وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 84 ) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 85 ) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ ( 86 ) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 87 ) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 88 )
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 114 ، البحر المحيط 4 / 176 . ( 2 ) الدر المصون 3 / 114 .