عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
257
اللباب في علوم الكتاب
والثاني : أنه منصوب على المفعول المطلق ، لأن معنى وسع : علم . قال أبو البقاء « 1 » : « لأنّ ما يسع الشّيء فقد أحاط به ، والعالم بالشيء محيط بعلمه » . قال شهاب الدّين « 2 » : وهذا الّذي ادّعاه من المجاز بعيد . و « كل شيء » مفعول ل « وسع » على التقديرين . و « أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ » جملة تقرير وتوبيخ ، ولا محلّ لها لاستئنافها ، والمعنى : أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء والأضداد والأنداد عن اللّه لا يوجب حلول العذاب ونزول العقاب ، والسّعي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العذاب والعقاب . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 81 إلى 82 ] وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 82 ) قد تقدّم الكلام على « كيف » في أوّل البقرة [ آية 28 ] ، و « ما » يجوز فيها ثلاثة أوجه ، أعني كونها موصولة اسمية ، أو نكرة موصوفة ، أو مصدريّة ، والعائد على الأوّلين محذوف ، أي : ما أشركتموه باللّه ، أو إشراككم باللّه غيره . وقوله : « وَلا تَخافُونَ » يجوز في هذه الجملة أن تكون نسقا على « أخاف » فتكون داخلة في حيّز التّعجّب والإنكار ، وأن تكون حالية ، أي : وكيف أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين عاقبة إشراككم ، ولا بدّ من إضمار مبتدأ قبل المضارع المنفي ب « لا » لما تقدّم غير مرّة ، أي : كيف أخاف الذي تشركون ، أو عاقبة إشراككم حال كونكم آمنين من مكر اللّه الذي أشركتم به غيره ، وهذه الجملة وإن لم يكن فيها رابط يعود على ذي الحال لا يضرّ ذلك ؛ لأن الواو بنفسها رابطة . وانظر إلى حسن هذا النّظم السّويّ ، حيث جعل متعلّق الخوف الواقع منه الأصنام ، ومتعلق الخوف الواقع منهم إشراكهم باللّه غيره تركا لأن يعادل الباري - تعالى - لأصنامهم لو أبرز التركيب على هذا ، فقال : « ولا تخافون اللّه » مقابلة لقوله : « وكيف أخاف معبوداتكم » . وأتى ب « ما » في قوله : « ما أَشْرَكْتُمْ » وفي قوله : ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً إلّا أنهم غير عقلاء ؛ إذ هي جماد وأحجار وخشب كانوا ينحتونها ويعبدونها . وقوله : « ما لَمْ يُنَزِّلْ » مفعول ل « أشركتم » ، وهي موصولة اسميّة أو نكرة ، ولا تكون مصدريّة لفساد المعنى ، و « به » و « عليكم » ، متعلّقان ب « ينزّل » ويجوز في « عليكم » وجه
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 250 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 111 .