عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
25
اللباب في علوم الكتاب
تعالى - في أحد السّموات عين ما حصل منه في سائر السّموات أو غيره ، والأوّل يقتضي حصول المتحيّز الواحد [ في مكانين ، وهو باطل ببديهة العقل ] « 1 » . والثاني يقتضي كونه - تعالى - مركّبا من الأجزاء والأبعاض ، وهو محال . وثالثها : أنّه لو كان موجودا في السّموات لكان محدودا متناهيا وكلّ ما كان كذلك كان قبوله للزيادة والنّقصان ممكنا ، وكلّ ما كان كذلك فهو محدث . ورابعها : أنّه لو كان في السّموات ، فهل يقدر على خلق عالم آخر فوق هذه السماوات أو لا يقدر « 2 » ؟ وذلك من وجهين : والثاني « 3 » يوجب تعجيزه وهو محال والأول « 4 » يقتضي أنّه - تعالى - لو فعل ذلك لحصل تحت ذلك العالم ، والقوم منكرون كونه تحت العالم . وخامسها : أنه تعالى قال : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] وقال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] . وقال : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] وقال : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] وكلّ ذلك يبطل القول بالمكان والجهة ، وإذا ثبت بهذه الدّلائل أنّه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره ، وجب التّأويل ، وهو من وجوه : الأول : أنّ قوله : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ ، أي : في تدبير السماوات والأرض ، كما يقال : « فلان في أمر كذا » أي : في تدبيره ، وإصلاح مهمّاته ، كقوله : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ . الثاني : أنّ الكلام [ تمّ ] « 5 » عند قوله : « وَهُوَ اللَّهُ » ثمّ ابتدأ « 6 » ، فقال : « فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ » ، أي : يعلم ما في السّموات سرائر الملائكة ، وفي الأرض يعلم سرائر البشر الإنس والجن . الثالث : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير ، وهو « الله يعلم ما في السماوات ، وما في الأرض سرّكم وجهركم » « 7 » . فصل في بيان معنى « ما تكسبون » قوله : « وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ » فيه سؤال ، وهو أنّ الأفعال إمّا أفعال القلوب ، وهو المسمّى بالسّرّ ، وإمّا أعمال الجوارح ، وهي المسمّاة بالجهر ، فالأفعال لا تخرج عن السّرّ والجهر .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) زاد في ب : وذلك من وجهين . ( 3 ) في ب : والأول . ( 4 ) في ب : والثاني . ( 5 ) سقط في أ . ( 6 ) في أ : أخذ . ( 7 ) ينظر : الرازي 12 / 129 .