عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
247
اللباب في علوم الكتاب
تكلم إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - بهذه الكلمات ليظهر من نفسه موافقة القوم ، حتى إذا أورد عليهم الدّليل المبطل لقولهم ، كان قبولهم لذلك الدليل أتمّ ، وانتفاعهم به أكمل ، ويقوي هذا الوجه أنه - تعالى - حكى عنه مثل هذا الطريق في قوله : فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [ الصافات : 88 - 90 ] . وذلك لأنهم كانوا يستدلّون بعلم النجوم على حصول الحوادث المستقبلة ، فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظّاهر ، مع أنه كان بريئا عنه في الباطن ، ومقصوده أن يتوسّل بهذا الطريق إلى كسر الأصنام ، فإذا جازت الموافقة في الظاهر هاهنا مع كونه بريئا عنه في الباطن ، فلم لا يجوز أن يكون في مسألتنا كذلك ؟ وأما الاحتمال الثاني : فهو أنه - عليه الصّلاة والسّلام - ذكر هذا الكلام قبل البلوغ ، وتقريره أن يقال : كان قد خصّ إبراهيم - عليه السلام - بالعقل الكامل ، والقريحة الصّافية ، فخطر بباله قبل بلوغه إثبات الصانع - تعالى - فتفكّر فرأى النجوم ، فقال : « هذا رَبِّي » فلمّا شاهد حركاته قال : « لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ » ثم إنه - تعالى - أكمل بلوغه في قوله تعالى : قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . والاحتمال الأول أولى بالقبول ؛ لما ذكرنا من الدلائل . فإن قيل : إن إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - استدلّ بأفول الكواكب ، على أنه لا يجوز أن يكون ربّا له ، والأفول عبارة عن غيبوبة الشيء بعد ظهوره فيدلّ على الحدوث من حيث إنه حركة ، وعلى هذا التقدير فيكون الطّلوع أيضا دليلا على الحدوث ، فلم ترك إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - الاستدلال على حدوثها بالطلوع ، وعوّل في إثبات هذا المطلوب على الأفول ؟ الجواب : أن الطلوع والأفول يشتركان في الدلالة على الحدوث ، إلا أن الدّليل الذي يحتج به الأنبياء في معرض دعوة الخلق كلهم إلى اللّه لا بدّ وأن يكون ظاهرا ، بحيث يشترك في فهمه الذّكيّ والغبيّ ، والعاقل والغافل ، ودلالة الحركة على الحدوث وإن كانت يقينيّة إلا أنها دقيقة لا يعرفها إلا الأفاضل من الخلق ، أما دلالة الأفول على هذا المقصود ، فإنها ظاهرة يعرفها كل أحد ، فإن الآفل يزول سلطانه وقت الأفول ، فكانت دلالة الأفول على هذا المقصود أتمّ ، وأيضا فيحتمل أنه إنما استدلّ بالأفول من حيث إن الأفول غيبوبة ، فإن الإله المعبود العالم العادل لا يغيب ، ولهذا استدلّ بظهور الكواكب ، وبزوغ القمر والشمس على الإلهية ، واستدلّ بأفولهم على عدم الإلهية ، ولم يتعرض للاستدلال بالحركة ، وهل هي تدلّ على الحدوث أم لا ؟ قال ابن الخطيب : وفيه دقيقة « 1 » وهو أنه - عليه الصّلاة والسلام - إنما كان يناظرهم
--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 43 - 44 .