عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

245

اللباب في علوم الكتاب

- إنما اشتغل بالنّظر في الكواكب والشمس والقمر بعد مخالطة قومه ، ورآهم يعبدون الأصنام ، ودعوه إلى عبادتها ، فقال : « لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ » ردّا عليهم ، وتنبيها على فساد قولهم . العاشر : أنه - تعالى - حكي عنه أنه قال للقوم : وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ [ الأنعام : 81 ] وهذا يدلّ على أن القوم كانوا خوّفوه بالأصنام كما قال قوم هود عليه الصلاة والسلام : إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [ هود : 54 ] وهذا الكلام لا يليق بالغار . الحادي عشر : أن تلك اللّيلة كانت مسبوقة بالنهار ، ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم ، ثم غربت ، فكان ينبغي أن يستدلّ بغروبها السّابق على أنها لا تصلح للإلهية ، وإذا بطل صلاحيّة الشمس للإلهية بطل ذلك في القمر والكوكب بطريق الأولى « 1 » . هذا إذا قلنا : إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه ، أما إذا قلنا : المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم ، فهذا السؤال غير وارد ، لأنه يمكن أن يقال : إنه إنما اتّفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم ، ثم امتدّت المناظرة إلى أن طلع القمر ، وطلع الشمس بعده ، وعلى هذا التقدير فالسّؤال غير وارد ، فثبت بهذه الدلائل الظّاهرة أنه لا يجوز أن يقال : إن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - قال على سبيل الجزم « هذا رَبِّي » ، وإذا بطل هذا بقي هاهنا احتمالان : الأول : أن يقال : هذا كلام إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بعد البلوغ ، ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبيّة الكواكب ، بل الغرض منه أحد أمور ستة « 2 » : أولها : أن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - لم يقل : « هذا رَبِّي » على سبيل الإخبار ، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكواكب ، وكان مذهبهم أن الكواكب ربّهم ، فذكر إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم ، حتى يرجع إليه فيبطله كما يقول الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم ، فيقول : الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نراه ؟ ولم نشاهده مركّبا متغيرا ؟ فقوله : الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه ، فكذا هاهنا قال : « هذا رَبِّي » حكاية لقول الخصم ، ثم ذكر عقيبه ما يدلّ على فساده ، وهو قوله : « لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ » ، ويؤيد هذا أنه - تعالى - مدحه في آخر الآية على هذه المناظرة بقوله : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ . وثانيها : أن قوله تعالى : « هذا رَبِّي » في زعمكم واعتقادكم ، فلما غاب قال : لو كان إلها لما غاب كما قال : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [ الدخان : 49 ] ، أي : عند

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 40 - 41 . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 41 .