عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
20
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أنّهم يعتقدون أنّ المؤثّر في حدوث بدن الإنسان هو امتزاج الطّبائع ، وإن سلّموا كون المؤثّر فيه قادرا مختارا ، فإنّهم يقولون : إنّه [ غير ] « 1 » عالم بالجزئيات ، فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي ، ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو « 2 » . قوله : « وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ » في هذه الآية أقوال كثيرة ، وقد لخصّت في اثني عشر وجها « 3 » ؛ وذلك أن « هو » فيه قولان : أحدهما : هو ضمير اسم اللّه - تعالى - يعود على ما عادت عليه الضّمائر قبله . الثاني : أنّه ضمير القصّة ، قاله أبو عليّ . قال أبو حيّان « 4 » : وإنّما فرّ إلى هذا ؛ لأنه لو أعاده على اللّه لصار التقدير : اللّه اللّه ، فتركّب الكلام من اسمين متّحدين لفظا ومعنى لا نسبة بينهما إسنادية . قال شهاب الدين « 5 » : الضّمير إنما هو عائد على ما تقدّم من الموصوف بتلك الصّفات الجليلة ، وهي خلق السّموات والأرض ، وجعل الظّلمات والنّور ، وخلق النّاس من طين إلى آخرها ، فصار في الإخبار بذلك فائدة من غير شكّ ، فعلى قول الجمهور يكون « هو » مبتدأ ، و « اللّه » خبره ، و « فِي السَّماواتِ » متعلّق بنفس الجلالة لمّا تضمّنته من معنى العبادة ، كأنّه قيل : وهو المعبود في السّموات ، وهذا قول الزّجّاج « 6 » ، وابن عطيّة « 7 » ، والزمخشري « 8 » . قال الزّمخشري : « فِي السَّماواتِ » متعلّق بمعنى اسم اللّه ، كأنّه قيل : هو المعبود فيها ، ومنه : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [ الزخرف : 84 ] أو هو المعروف بالإلهية والمتوحد بالإلهيّة فيها ، أو هو الذي يقال له « اللّه » [ لا يشركه في هذا الاسم غيره . وقال شهاب الدين « 9 » : إنما قال : أو هو المعروف ، أو هو الذي يقال له : اللّه ؛ ] « 10 » لأنّ هذا الاسم الشّريف تقدّم فيه خلاف ، هل هو مشتقّ أو لا « 11 » ؟ فإن كان مشتقا ظهر تعلّق الجارّ به ، وإن كان ليس بمشتقّ ، فإمّا أن يكون منقولا أو مرتجلا ، وعلى كلا التقديرين فلا يعمل ؛ لأنّ الأعلام لا تعمل ، فاحتاج أن يتأوّل ذلك على كل قول « 12 » من هذه الأقوال الثلاثة . فقوله : « المعبود » راجع للاشتقاق ، وقوله : « المعروف » راجع لكونه علما منقولا ،
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : الرازي 12 / 128 . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 77 . والدر المصون 4 / 6 . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 77 . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 3 / 6 . ( 6 ) معاني القرآن 2 / 250 . ( 7 ) المحرر الوجيز 2 / 269 . ( 8 ) الكشاف 2 / 5 . ( 9 ) الدر المصون 3 / 6 . ( 10 ) سقط في ب . ( 11 ) تقدم من الكلام على البسملة الخلاف في ذلك . ( 12 ) في ب : قولين .