عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
191
اللباب في علوم الكتاب
وثانيها : يجوز أن يقال : إنه - تعالى - ذكر الورقة والحبّة تنبيها للمكلّفين على أمر الحساب وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء ؛ لأنه إذا كان لا يهمل من الأحوال التي ليس فيها ثواب وعقاب وتكليف ، فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى . وثالثها : أنه - تعالى - لمّا أثبت أحوال جميع الموجودات في ذلك على التفصيل التام ، امتنع أيضا تغيّرها ، وإلّا لزم الكذب ، فيصير [ كتبه ] « 1 » جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تامّا [ وسببا كاملا ] « 2 » ، في أنه يمتنع تقدّم ما تأخّر ، وتأخّر ما تقدّم ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » « 3 » واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 60 ] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 60 ) لمّا بيّن تعالى كمال علمه في الآية الأولى - بيّن كمال قدرته بهذه الآية ، وهو كونه قادرا على نقل الذّوات من الموت إلى الحياة ، ومن النّوم إلى اليقظة ، واستقلاله بحفظها في جميع الأحوال ، وتدبيرها على أحسن الوجوه في حال النوم واليقظة . قوله : « باللّيل » متعلّق بما قبله على أنه ظرف له ، و « الباء » تأتي بمعنى « في » ، وقد تقدّم منه جملة صالحة . وقال أبو البقاء « 4 » هنا : وجاز ذلك ؛ لأن « الباء » للإلصاق والملاصق للزمان والمكان حاصل فيهما ، يعني في هذه العلاقة المجوزة للتّجوّز ، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن ينوب حرف مكان آخر ، بل نقول : هي هنا للإلصاق مجازا ، نحو ما قالوه في « مررت بزيد » ، وأسند التّوفّي هنا إلى ذاته المقدّسة ، لأنه لا ينفر منه هنا ، إذ المراد به الدّعة والرّاحة ، وأسند إلى غيره في قوله : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [ الأنعام : 61 ] يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [ السجدة : 11 ] لأنه ينفر منه ، إذ المراد به الموت . وهاهنا بحث ، وهو أن النائم لا شكّ أنّه حيّ ، ومتى كان حيّا لم تكن روحه مقبوضة ألبتّة ، فلا بدّ هاهنا من تأويل ، وهو أنه حال النوم تغور الأرواح الحسّاسة من الظاهر في الباطن ، فصارت الحواسّ الظاهرة معطّلة عن أعمالها ، فعند النوم صار ظاهر الجسد معطّلا عن كلّ الأعمال ، فحصل بين النّوم وبين الموت مشابهة من هذه الحيثيّة ، فلذلك صحّ إطلاق لفظ الموت والوفاة على النوم « 5 » . قوله : « ما جرحتم » الظاهر أنها مصدريّة ، وإن كان كونها موصولة اسمية أكثر
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) ينظر : الإملاء 1 / 245 . ( 5 ) ينظر : الرازي 13 / 11 .