عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
182
اللباب في علوم الكتاب
وقوله : « وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ » تأكيد لقوله : « قد ضللت » وأتى بالأولى جملة فعلية لتدلّ على تجدّد الفعل وحدوثه ، وبالثانية اسمية لتدل على الثبوت . والمعنى « وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ، يعني إن فعلت ذلك ، فقد تركت سبيل الحقّ ، وسلكت غير سبيل الهدى » . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 57 ] قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ( 57 ) قوله : إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي : على بيان أو بصيرة وبرهان من ربي . قوله : « وَكَذَّبْتُمْ بِهِ » في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك . والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال ، وحينئذ هل يحتاج إلى إضمار « قد » أم لا ؟ و « الهاء » في « به » يجوز أن تعود على « ربّي » ، وهو الظاهر . وقيل : على القرآن ؛ لأنه كالمذكور . وقيل : على استعجالهم بالعذاب ؛ لأنهم كانوا يقولون : إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً [ الأنفال : 32 ] . وقيل : على بيّنة ؛ لأنها في معنى البيان . وقيل : لأن « التاء » فيها للمبالغة ، والمعنى على أمر بيّن من ربي . و « مِنْ رَبِّي » في محلّ جرّ صفة ل « بيّنة » . قوله : « ما عندي ما تستعجلون به » كان عليه الصّلاة والسّلام يخوّفهم نزول العذاب ، فقال تعالى : قل يا محمّد : ما عندي ما تستعجلون به ، يعني قولهم : إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الآية . وقيل : أراد به القيامة ؛ لقوله تعالى : يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها [ الشورى : 18 ] . قوله : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي : في تأخير عذابهم . قوله : « يَقُصُّ الْحَقَّ » قرأ نافع ، وابن كثير « 1 » ، وعاصم « يقصّ » [ بصاد مهملة مشددة ] « 2 » مرفوعة ، وهي قراءة ابن عبّاس ، والباقون بضاد « 3 » معجمة مخففة مكسورة ، وهاتان في المتواتر .
--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 77 ، البحر المحيط 4 / 145 ، حجة القراءات ص ( 254 ) ، النشر 2 / 258 ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 14 ، الكشاف 2 / 30 . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 77 ، البحر المحيط 4 / 145 ، حجة القراءات ص ( 254 ) ، النشر 2 / 258 ، إتحاف فضلاء البشر 2 / 14 ، الفراء 1 / 337 - 338 ، الزجاج 2 / 281 - 282 ، التبيان 1 / 501 ، الحجة لابن خالويه ( 140 - 141 ) .