عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
172
اللباب في علوم الكتاب
فصل في بيان الدلالة من الآية احتجّ أهل السّنّة « 1 » بهذه الآية على مسألة خلق الأفعال من وجهين : الأول : أن قوله : « فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ » تصريح بأنّ إلقاء تلك الفتنة من اللّه تعالى ، والمراد من تلك الفتنة ليس إلّا اعتراضهم على اللّه في أن جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدّين ، والاعتراض على اللّه كفر ، وذلك يدلّ على أنّه - تعالى - هو الخالق للكفر . والثاني : أنه - تعالى - حكى عنهم أنهم قالوا : « أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا » أي : منّ عليهم بالإيمان باللّه ، ومتابعة الرسول ، وذلك يدلّ على أن هذا المعنى إنما حصل من اللّه تعالى ؛ لأنه لو كان الموجد للإيمان هو العبد فاللّه ما منّ عليه بهذا الإيمان ، بل العبد هو الذي منّ على نفسه بهذا الإيمان . أجاب الجبائي « 2 » عنه بأن الفتنة في التّكليف ما توجب التّشديد وإنما فعلنا ذلك ليقولوا : أهؤلاء أي : ليقول بعضهم لبعض استفهاما لا إنكارا [ أهؤلاء ] « 3 » منّ اللّه عليهم من بيننا بالإيمان أجاب الكعبي « 4 » عنه بأن قال : « وكذلك فتنّا بعضهم ببعض ليصبروا أو ليشكروا ، فكان عاقبة أمرهم أن قالوا : أهؤلاء منّ اللّه عليهم من بيننا » على مثاله قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] . والجواب عن الوجهين أنه عدول عن الظاهر من غير دليل ، والدليل العقليّ قائم على صحّة هذا الظاهر ؛ لأنه لمّا كانت مشاهدة هذه الأحوال توجب الأنفة ، والأنفة توجب العصيان والإصرار على الكفر ، وموجب الموجب موجب ، فكان الإلزام واردا « 5 » ، واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 54 ] وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) « إذا » منصوب بجوابه ، أي : فقل سلام عليكم وقت مجيئهم أي : أوقع هذا القول كله في وقت مجيئهم إليك ، وهذا معنى واضح . وقال أبو البقاء « 6 » : « والعامل في « إذا » معنى الجواب ، أي : إذا جاءوك سلّم عليهم » ولا حاجة تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى ؛ لأن كونه يبلّغهم السّلام والإخبار بأنه كتب على نفسه الرّحمة ، وأنه من عمل سوءا بجهالة غفر له لا يقوم مقامه السّلام فقط ، وتقديره يفضي إلى ذلك .
--> ( 1 ) ينظر : الرازي 12 / 196 . ( 2 ) ينظر : الرازي 12 / 197 . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ينظر : الرازي 12 / 197 . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق . ( 6 ) ينظر : الإملاء 1 / 244 .