عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
165
اللباب في علوم الكتاب
المناسبة ، كقوله تعالى : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ الرحمن : 27 ] والجواب : أن قوله تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] يقتضي الوحدانيّة التّامّة ، وذلك ينافي التركيب من الأعضاء والأجزاء ، فثبت أنّه لا بدّ من التّأويل ، وهو من وجهين : أحدهما : قوله : « يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » ، أي : يريدونه إلّا أنهم يذكرون [ لفظ الوجه للتعظيم كما يقال : هذا وجه الرأي ، وهذا وجه الدليل الثاني : ] « 1 » أنّ من أحبّ ذاتا أحب أن يرى وجهه ، فرؤية الوجه من لوازم المحبّة ، فلهذا السّبب جعل الوجه كناية عن المحبّة ، وطلب الرضى . والثاني : أن المراد بالوجه القصد والنّيّة ؛ كقول الشاعر : [ البسيط ] 2179 - أستغفر اللّه ذنبا لست أحصيه * ربّ العباد إليه الوجه والعمل « 2 » وقد تقدّم بيانه عند قوله : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ البقرة : 115 ] . قوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . « ما » هذه يجوز أن تكون الحجازيّة النّاصبة للخبر ، فيكون « عليك » في محلّ النصب على أنه خبرها ، عند من يجوّز إعمالها في الخبر المقدّم إذا كان ظرفا أو حرف جرّ ، وأمّا إذا كانت تميميّة ، أو متعيّنا إهمالها في الخبر المقدّم مطلقا كان « عليك » في محلّ رفع خبرا مقدّما ، والمبتدأ هو « مِنْ شَيْءٍ » زيدت فيه « من » . وقوله : « مِنْ حِسابِهِمْ » قالوا : « من » تبعيضيّة ، وهي في محل نصب على الحال ، وصاحب الحال هو « مِنْ شَيْءٍ » ؛ لأنها لو تأخرت عنه لكانت صفة له ، وصفة النكرة متى قدّمت انتصبت على الحال ، فعلى هذا تتعلّق بمحذوف ، والعامل في الحال الاستقرار في « عليك » ، ويجوز أن يكون « مِنْ شَيْءٍ » في محلّ رفع بالفاعلية ، ورافعه « عليك » لاعتماده على النفي ، و « مِنْ حِسابِهِمْ » حال أيضا من « شيء » العامل فيها الاستقرار والتقدير : ما استقرّ عليك شيء من حسابهم . وأجيز أن يكون « مِنْ حِسابِهِمْ » هو الخبر : إمّا ل « ما » ، وإمّا للمبتدأ ، و « عليك » حال من « شيء » ، والعامل فيها الاستقرار ، وعلى هذا فيجوز أن يكون « مِنْ حِسابِهِمْ » هو الرافع للفاعل على ذاك الوجه ، و « عليك » حال أيضا كما تقدّم تقريره ، وكون « من
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : أدب الكاتب 524 ، والأشباه والنظائر 4 / 26 ، وأوضح المسالك 2 / 283 ، وتخليص الشواهد ص 45 ، وخزانة الأدب 3 / 111 ، 9 / 124 ، والدرر 5 / 186 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 42 ، وشرح التصريح 1 / 394 ، وشرح شذور الذهب ص 749 ، وشرح المفصل 7 / 63 ، 8 / 51 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 181 ، والكتاب 1 / 37 ، ولسان العرب ( غفر ) ، والمقاصد النحوية 3 / 226 ، والمقتضب 2 / 321 ، وهمع الهوامع 2 / 82 .