عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

129

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « مِنْ شَيْءٍ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن « من » زائدة في المفعول به ، والتقدير : ما فرّطنا شيئا ، وتضمن « فرطنا » معنى تركنا وأغفلنا ، والمعنى : ما أغفلنا ، ولا تركنا شيئا . والثاني : أن « من » تبعيضيّة ، أي : ما تركنا ولا أغفلنا في الكتاب بعض شيء يحتاج إليه المكلّف . الثالث : أن « مِنْ شَيْءٍ » في محلّ نصب على المصدر ، و « من » زائدة فيه أيضا . ولم يجز أبو البقاء « 1 » غيره ، فإنه قال : « من » زائدة ، و « شيء » هنا واقع موقع المصدر ، أي تفريطا . وعلى هذا التّأويل لا يبقى في الآية حجّة لمن ظنّ أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا ، ونظير ذلك : لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [ آل عمران : 120 ] . ولا يجوز أن يكون مفعولا به ؛ لأن « فرّطنا » لا يتعدّى بنفسه ، بل بحرف الجرّ ، وقد عدّيت إلى « الكتاب » ب « في » ، فلا يتعدّى بحرف آخر ، ولا يصحّ أن يكون المعنى : ما تركنا في الكتاب من شيء ؛ لأن المعنى على خلافه ، فبان أن التأويل ما ذكرنا . انتهى . قوله : « يحتوي على ذكر كل شيء صريحا » لم يقل به أحد ؛ لأنه مكابرة في الضروريات « 2 » . وقرأ الأعرج وعلقمة : « فرطنا » مخفّفا ، فقيل : هما بمعنى وعن النقاش : فرطنا : أخّرنا ، كما قالوا : « فرط اللّه عنك المرض » أي : أزاله . قوله : ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ : قال ابن عبّاس ، والضحاك : حشرها موتها « 3 » . وقال أبو هريرة : يحشر اللّه الخلق كلهم يوم القيامة الإنس والجن والبهائم والدّوابّ والطير وكلّ شيء ، فيأخذ للجمّاء من القرناء ، ثم يقول : كوني ترابا « 4 » ، فحينئذ يتمنّى الكافر ويقول : يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ النبأ : 40 ] ، ويتأكّد هذا بقوله : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [ التكوير : 5 ] . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 39 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا مبتدأ ، وما بعده الخبر .

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 241 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 53 ، البحر المحيط 4 / 126 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 5 / 187 ) عن ابن عباس والضحاك وذكره القرطبي في « تفسيره » ( 6 / 271 ) . ( 4 ) أخرجه الطبري ( 5 / 187 ) والحاكم ( 2 / 316 ) من حديث أبي هريرة وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 20 - 21 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم .