عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
127
اللباب في علوم الكتاب
وذكر الواحدي « 1 » أن الشّافعي جلس في المسجد الحرام فقال : لا تسألوني عن شيء إلّا أجبتكم فيه من كتاب اللّه ، فقال رجل : ما تقول في المحرم إذا قتل الزّنبور ؟ ، فقال : لا شيء عليه ، فقال : أين هذا في كتاب اللّه ؟ ، فقال : قال اللّه تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [ الحشر : 7 ] ، ثم ذكر سندا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي » « 2 » ، ثم ذكر إسنادا إلى عمر أنه قال : « للمحرم قتل الزّنبور » « 3 » . قال الواحدي « 4 » : فأجابه من كتاب اللّه مستنبطا بثلاث درجات ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم في حديث العسيف : « والّذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله » « 5 » ثم قضى بالجلد والتّغريب على العسيف ، وبالرجم على المرأة إذا اعترفت . قال الواحدي « 6 » : وليس للجلد والتّغريب ذكر في نصّ الكتاب « 7 » ، وهذا يدلّ على
--> ( 1 ) ينظر : المصدر السابق . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 12 / 178 ) . ( 4 ) ينظر : الرازي 12 / 178 . ( 5 ) أخرجه مالك ( 2 / 822 ) كتاب الحدود : باب ما جاء في الرجم حديث والبخاري ( 12 / 179 ) كتاب الحدود : باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزنا حديث ( 6842 ، 6863 ) ومسلم ( 3 / 1324 - 1325 ) كتاب الحدود : باب من اعترف على نفسه بالزنى حديث ( 25 / 1697 - 1698 ) من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني . ( 6 ) ينظر : الرازي 12 / 178 . ( 7 ) حدّ البكر جلد مائة وتغريب عام ، ويكون كل واحد منهما حدا ، فيجمع عليه بين حدّين ، رجلا كان الزاني أو امرأة . وبه قال الأوزاعي ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وأحمد بن حنبل . وقال أبو حنيفة : ليس عليه إلّا حدّ واحد وهو الجلد ، فأما التغريب فهو تعزير غير مقدر ، يرجع فيه إلى رأي الإمام في فعله ، وتركه ، أو العدول إلى تعزيره . وقال مالك : يجمع بينهما في حد الرجل ، ولا يجمع بينهما في حد المرأة ، وتجلد ولا تغرب ؛ لأنها عورة . واستدلوا على أن التغريب ليس بحدّ في الزنا بقول اللّه تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النور : 2 ] فكان الدليل فيه من وجهين : أحدهما : أنه اقتصر في حدها على الجلد ، ولو وجب التغريب لقرنه به ؛ لأن تأخير البيان عن وقته لا يجوز . والثاني : أن وجوب التغريب زيادة على النص ، والزيادة على النص تكون نسخا ، ونسخ القرآن لا يجوز بأخبار الآحاد ، قالوا ولأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد منع من سفر المرأة إلّا مع ذي محرم ، فإن غربت مع غير ذي محرم ، أسقطتم الخبر ، وإن غربت مع ذي محرم أوجبتم التغريب على من ليس بزان ، ولأنه سبب يوجب الحد فلم يجب به التغريب كالقذف وشرب الخمر ؛ ولأنه زنا يوجب عقوبة فلم يجمع فيه بين حدين كزنا الثيب . ودليلنا حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « خذوا عنّي قد جعل اللّه لهنّ سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثّيب بالثّيب جلد مائة والرّجم » . أخرجه مسلم في صحيحه 3 / 324 حديث رقم ( 24 ب / 1696 ) . فإن قيل : لما كان ما اقترن برجم الثيب من الجلد منسوخا اقتضى أن يكون ما اقترن بجلد البكر من التغريب منسوخا ؟ قيل : نسخ أحدهما لا يوجب نسخ الآخر ؛ لأن النسخ يؤخذ من النصّ دون القياس ، وحديث أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال للرجل : « وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام » ، بعد قول الرجل : -