عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
125
اللباب في علوم الكتاب
الأول : من الحيوانات ما لا يدخل في هذين القسمين مثل حيتان البحر ، وسائر ما يسبح في الماء ، ويعيش فيه . والجواب لا يبعد أن يوصف بأنها دابّة ، من حيث إنها تدبّ في الماء ؛ لأن سبحها في الماء كسبح الطير في الهواء ، إلا أن وصفها بالدّبّ أقرب إلى اللّغة من وصفها بالطيران . السؤال الثاني : ما الفائدة في تقييد الدّابّة بكونها في الأرض ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : أنّه خصّ ما في الأرض بالذّكر دون ما في السماء احتجاجا بالأظهر ؛ لأن ما في السماء وإن كان مخلوقا مثلنا فغير ظاهر . والثاني : أن المقصود من ذكر هذا الكلام أن عناية اللّه لمّا كانت حاصلة في هذه الحيوانات ، فلو كان إظهار المعجزات القاهرة مصلحة لما منع اللّه من إظهارها ، وهذا المقصود إنما يتمّ بذكر من كان أدون مرتبة من الإنسان ، لا بذكر من كان أعلى حالا منه ، فلهذا المعنى قيّد الدّابّة بكونها في الأرض . السؤال الثالث : ما الفائدة في قوله : « يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ » مع أن كل طائر فإنما يطير بجناحيه ؟ والجواب : ما تقدّم من ذكر التوكيد أو رفع توهّم المجاز . وقيل : إنه - تعالى - [ قال ] « 1 » في صفة الملائكة رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ [ فاطر : 1 ] ، فذكر [ هاهنا ] « 2 » قوله : « بجناحيه » ليخرج عنه الملائكة ، لما بينّا أن المقصود من هذا الكلام إنما يتمّ بذكر من كان أدون حالا من الإنسان لا بذكر من كان أعلى منه . السؤال الرابع : كيف قال : « إلّا أمم » مع إفراد الدّابّة والطائر ؟ والجواب : ما تقدّم من إرادة الجنس . قوله : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ : في المراد ب « الكتاب » قولان : الأول : المراد به اللّوح المحفوظ ، قال عليه الصلاة والسلام : « جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » « 3 » ، وعلى هذا فالعموم ظاهر ؛ لأن اللّه - تعالى - أثبت ما كان وما يكون فيه . والثاني : المراد به القرآن ؛ لأنّ الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المفهوم السّابق ، وهو في هذه الآية القرآن .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) أخرجه الطبراني في الكبير 11 / 223 بهذا اللفظ .