عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
99
اللباب في علوم الكتاب
وإن الذي توفّونه أجوركم ، كقولك : إنّ الذي أكرمته عمرو ، وأيضا فإنك تفرق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء » . يعني لو كانت « ما » موصولة لكانت اسم « إن » فيلزم - حينئذ - رفع « أجوركم » على أنه خبرها ، كقوله تعالى : إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ [ طه : 69 ] ف « ما » - هنا - يجوز أن تكون بمعنى الذي ، أو مصدرية ، تقديره : إنّ الذي صنعوه ، أو إن صنعهم ، ولذلك رفع « كيد » ، خبرها . وقوله : وأيضا فإنك تفرق . . . ، يعني أن « يَوْمَ الْقِيامَةِ » متعلق ب « توفّون » فهو من تمام الصلة فلو كانت « ما » موصولة لفصلت بالخبر - الذي هو « أجوركم » - بين أبعاض الصلة - التي هي الفعل ومعموله - ولا يخبر عن موصول إلا بعد تمام صلته ، وهذا وإن كان من الواضحات ، إلا أن فيه تنبيها على أصول العلم . فصل [ في قول المفسرين : أجر المؤمن الثواب وأجر الكافر العقاب ] فصل قال المفسّرون : أجر المؤمن الثواب ، وأجر الكافر العقاب ، ولم يعتد بالنعمة في الدنيا - أجرا وجزاء - لأنها عرضة للفناء . قوله : فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ أدغم أبو عمرو الحاء في العين ، قالوا : لطول الكلمة ، وتكرير الحاء ، دون قوله : ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [ المائدة : 3 ] وقوله : الْمَسِيحُ عِيسَى [ آل عمران : 45 ] ونقل عنه الإدغام مطلقا ، وعدمه مطلقا والنحويون يمنعون ذلك ، ولا يجيزونه إلا بعد أن يقلبوا العين حاء ويدغموا الحاء فيها ، قالوا : لأن الأقوى لا يدغم في الأضعف ، وهذا عكس الإدغام ، أن تقلب فيه الأول للثاني إلا في مسألتين : إحداهما : هذه ، والثانية : الحاء في الهاء ، نحو : امدح حلالا - بقلب الهاء حاء أيضا - ولذلك طعن بعضهم على قراءة أبي عمرو ، ولا يلتفت إليه . . . ومعنى الكلام : فَمَنْ زُحْزِحَ أي : نحّي وأزيل عن النار وأدخل الجنة فقد فاز . قوله : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ . المتاع : ما يتمتّع به ، وينتفع [ به الناس - كالقدر ] « 1 » والقصعة - ثم يزول ولا يبقى قاله أكثر المفسّرين . وقال الحسن : هو كخضرة النبات ، ولعب البنات ، ولا حاصل له « 2 » . وقال قتادة : هي متاع متروك ، يوشك أن يضمحلّ « 3 » ، فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة اللّه - تعالى - ما استطاع . وقوله : « الغرور » يجوز أن يكون مصدرا من قولك : غررت فلانا غرورا ، شبه بالمتاع الذي يدلس به على المستام ، ويغر عليه حتى يشتريه ، ثم يظهر فساده له ، ومنه
--> ( 1 ) في أ : كالفأس والقدر . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 136 ، والدر المصون 2 / 276 . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 189 ) وعزاه لابن أبي حاتم عن قتادة .