عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
91
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أن تكون في محلّ نصب بالقول ؛ عطفا على « ذوقوا » كأنه قيل : ونقول لهم - أيضا - ذلك بما قدمت أيديكم ، وبّخوا بذلك ، وذكر لهم السبب الذي أوجب العقاب . الثاني : أن لا تكون داخلة في حكاية القول ، بل تكون خطابا لمعاصري رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم نزول الآية . وذكرت الأيدي ؛ لأن أكثر الأعمال تزاول بها ، قال القرطبيّ : « وخص الأيدي بالذكر ؛ ليدل على تولي الفعل ومباشرته ؛ إذ قد يضاف الفعل إلى الإنسان بمعنى أنه أمر به ، كقوله : يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ [ القصص : 4 ] وأصل « أيديكم » أيديكم ، فحذفت الضمة ؛ لثقلها . قوله : وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ عطف على « ما » المجرورة بالباء ، أي : ذلك العقاب حاصل بسبب كسبكم ، وعدم ظلمه لكم . فإن قيل : إن « ظلاما » صيغه مبالغة ، تقتضي التكثير ، فهي أخص من « ظالم » ، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم ، فإذا قلت : زيد ليس بظلام ، أي : ليس كثير الظّلم - مع جواز أن يكون ظالما - وإذا قلت : ليس بظالم ، انتفى الظلم من أصله فكيف قال تعالى : لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ؟ فالجواب من وجوه : الأول : أن « فعّالا » قد لا يراد به [ التكثير ] « 1 » ، كقول طرفة : [ الطويل ] 1702 - ولست بحلّال التّلاع مخافة * ولكن متى يسترفد القوم أرفد « 2 » لا يريد - هنا - أنه قد يحل التلاع قليلا ؛ لأن ذلك يدفعه آخر البيت الذي يدل على نفي البخل على كل حال ، وأيضا تمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة . الثاني : أنه للكثرة ، ولكنه لما كان مقابلا بالعباد - وهم كثيرون - ناسب أن يقابل الكثير بالكثير . الثالث : أنه إذا نفي الظلم الكثير انتفى الظلم القليل ضرورة ؛ لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر - كان للظلم القليل المنفعة أترك . الرابع : أن يكون على النسب ، أي : لا ينسب إليه ظلم ، فيكون من باب بزّاز وعطّار ، كأنه قيل : ليس بذي ظلم البتة . ذكر هذه الأربعة أبو البقاء . وقال القاضي أبو بكر : العذاب الذي توعد أن يفعله بهم ، لو كان ظلما لكان عظيما ، فنفاه على حدّ عظمه لو كان ثابتا . وقال الراغب : « العبيد - إذا أضيف إلى اللّه تعالى - أعم من العباد ، ولهذا قال :
--> ( 1 ) في ب : المبالغة . ( 2 ) تقدم برقم 201 .