عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
86
اللباب في علوم الكتاب
فصل في اختلافهم في البخل في الآيات اختلفوا في هذا البخل ، فقال أكثر العلماء : المراد به منع الواجب ، واستدلّوا بوجوه : أحدها : أن الآية دالة على الوعيد الشديد في البخل ، وذلك الوعيد لا يليق إلا بالواجب . ثانيها : أن اللّه - تعالى - ذمّ البخل وعابه ، ومنع التطوّع لا يجوز أن يذمّ فاعله وأن يعاب به . ثالثها : أنه لو كان تارك التفضّل بخيلا لوجب على من ملك المال العظيم أن يخرج الكلّ ، وإلا لم يتخلّص من الذم . رابعها : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « وأيّ داء أدوأ من البخل » « 1 » ومعلوم أن تارك التطوّع لا يليق به هذا الوصف . خامسها : أنه - تعالى - لا ينفك عن ترك التفضّل ؛ لأنه لا نهاية لمقدوراته في التفضّل ، وكل ما يدخل في الوجود ، فهو متناه ، فيكون لا محالة - تاركا للتفضّل فلو كان ترك التفضّل بخلا لزم أن يكون اللّه موصوفا بالبخل ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . فصل [ في تقسيم إنفاق الواجب ] فصل اعلم أنّ إنفاق الواجب أقسام : منها : إنفاقه على نفسه ، وعلى أقاربه الذين تلزمه نفقتهم . ومنها : الزكوات ، ومنها : ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع عدوّ يقصد قتلهم ومالهم ، فيجب عليهم إنفاق المال على من يدفع عنهم . ومنها : دفع ما يسد رمق المضطر ، فهذه الإنفاقات واجبة . قوله : سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ اختلفوا في هذا الوعيد ، فقال ابن مسعود وابن عباس : إنّ هذه الأموال تصير حيّات يطوقون بها - كما تقدم - وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من آتاه اللّه مالا ، فلم يؤدّ زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع ، له زبيبتان ، يطوّقه يوم القيامة ثمّ يأخذ بلهزمتيه - يعني : شدقيه - ثمّ يقول : أنا مالك ، أنا كنزك » ثم تلا قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ .
--> ( 1 ) أخرجه الخطيب في « تاريخه » ( 4 / 217 ) والخرائطي في « مكارم الأخلاق » ( 59 ) والطبراني في « الصغير » كما في « تخريج الإحياء » ( 3 / 249 ) وأبو نعيم كما في « كنز العمال » ( 36858 ) . والحديث أورده الحافظ ابن حجر في « الإصابة » ( 1 / 247 ) وقال : الحديث إسناده ضعيف . وأخرجه البخاري ( 6 / 275 - 276 ) كتاب الخمس : باب ( 15 ) رقم ( 3137 ) عن أبي بكر موقوفا .