عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
84
اللباب في علوم الكتاب
وفي الآية وجه غريب ، خرّجه أبو حيّان ، قال : « وهو أن تكون المسألة من باب الإعمال ، إذا جعلنا الفعل مسندا ل « الذين » وذلك أن « يحسبنّ » يطلب مفعولين ، و « يبخلون » يطلب مفعولا بحرف جر فقوله « ما آتاهم » يطلبه « يحسبنّ » على أن يكون المفعول الأول ، ويكون « هو » فصلا ، و « خيرا » المفعول الثاني ، ويطلبه « يبخلون » بتوسّط حرف الجر ، فأعمل الثاني - على الأفصح في لسان العرب ، وعلى ما جاء في القرآن - وهو « يبخلون » فعدي بحرف الجر ، وأخذ معموله ، وحذف معمول « يحسبنّ » الأول ، وبقي معموله الثاني ؛ لأنه لم يتنازع فيه ، إنما جاء التنازع بالنسبة إلى المفعول الأول ، وساغ حذفه - وحده - كما ساغ حذف المفعولين في مسألة سيبويه : متى رأيت أو قلت : زيد منطلق ؟ لأن رأيت وقلت - في هذه المسألة - تنازعا في زيد منطلق ، وفي الآية لم يتنازعا إلّا في الأول ، وتقدير المعنى : ولا يحسبن ما آتاهم اللّه من فضله هو خيرا لهم الناس الذين يبخلون به ، فعلى هذا التقدير يكون « هو » فصلا ل « ما آتاهم » المحذوف ، لا لبخلهم المقدّر في قول الجماعة . ونظير هذا التركيب : ظنّ الذي مرّ بهند هي المنطلقة ، المعنى : ظن هند الشخص الذي مر بها هي المنطلقة ، فالذي تنازعه الفعلان هو المفعول الأول ، فأعمل الفعل الثاني فيه ، وبقي الأول يطلب محذوفا ، ويطلب الثاني مثبتا ، إذ لم يقع فيه التنازع . ومع غرابة هذا التخريج ، وتطويله بالتنظير والتقدير ، فيه نظر ؛ وذلك أن النحويين نصوا على أنه إذا أعملنا الفعل الثاني ، واحتاج الأول إلى ضمير المتنازع فيه ، فإن كان يطلبه مرفوعا أضمر فيه ، وإن كان يطلبه غير مرفوع حذف ، إلا أن يكون أحد مفعولي « ظن » فلا يحذف ، بل يضمر ويؤخر وعللوا ذلك بأنه لو حذف لبقي خبر دون مخبر عنه - أو بالعكس - وهذا مذهب البصريين ، وفيه بحث ، لأن لقائل أن يقول : حذف اختصارا ، لا اقتصارا ، وأنتم تجيزون حذف أحدهما اختصارا في غير التنازع ، فليجز في التنازع ؛ إذ لا فارق ، وحينئذ يقوى تخريج الشّيخ بهذا البحث ، أو يلتزم القول بمذهب الكوفيين ، فإنهم يجيزون الحذف فيما نحن فيه . وذكر مكيّ ترجيح كلّ من القراءتين ، فقال : « فأما القراءة بالتاء - وهي قراءة حمزة - فإنه جعل المخاطب هو الفاعل ، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم و « الذين » مفعول أول - على تقدير حذف مضاف ، وإقامة المضاف إليه - الذين - مقامه - و « هو » فصل ، و « خيرا » مفعول ثان ، تقديره : ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا لهم ، ولا بد من هذا الإضمار ، ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى ، وفيها نظر ؛ لجواز ما في الصلة تفسير ما قبل الصلة ، على أن في هذه مزية على القراءة بالياء ؛ لأنك إذا حذفت المفعول أبقيت المضاف إليه يقوم مقامه ، ولو حذفت المفعول في قراءة الياء لم يبق ما يقوم مقامه . وفي القراءة بالياء - أيضا - مزية على القراءة بالتاء ، وذلك أنك حذفت البخل بعد تقدّم