عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

76

اللباب في علوم الكتاب

وختمت كل واحدة من هذه الآيات الثلاث بصفة للعذاب غير ما ختمت به الأخرى ؛ لمعنى مناسب ، وهو أنّ الأولى تضمنت الإخبار عنهم بالمسارعة في الكفر ، والمسارعة في الشيء والمبادرة في تحصيله تقتضي جلالته وعظمته ، فجعل جزاؤه عَذابٌ عَظِيمٌ مقابلا لهم ، ويدل ذلك على خساسة ما سارعوا فيه . وأما الثانية فتضمنت اشتراءهم الكفر بالإيمان ، والعادة سرور المشتري واغتباطه بما اشتراه ، فإذا خسر تألّم ، فختمت هذه الآية بألم العذاب ، كما يجد المشتري المغبون ألم خسارته . وأما الثالثة فتضمنت الإملاء - وهو الإمتاع بالمال وزينة الدنيا - وذلك يقتضي التعزّز والتكبّر والجبروت فختمت هذه الآية بما يقتضي إهانتهم وذلّتهم بعد عزّهم وتكبّرهم . فصل [ في احتجاج بعض العلماء في إثبات القضاء والقدر ] فصل قال ابن الخطيب : احتج أصحابنا - بهذه الآية - في إثبات القضاء والقدر ؛ لأن الإملاء عبارة عن تأخيره مدة - والتأخير من فعل اللّه تعالى - والآية دلّت على أنّ هذا الإملاء ليس بخير لهم ، فهو سبحانه خالق الخير والشر . ودلّت على أن المقصود من هذا الإملاء هو أن يزدادوا إثما ، فدل على أنّ المعاصي والكفر بإرادته وأكّده بقوله : وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ . وأيضا أخبر عنهم بأنهم لا خير لهم في هذا الإملاء ؛ لأنهم لا يحصلون إلا زيادة البغي والطغيان ، والإتيان بخلاف خبر اللّه - مع بقاء ذلك الخبر - جمع بين النقيضين ، وهو محال . وإذا لم يكونوا قادرين - مع ذلك الإملاء - على الخير والطاعة - مع أنهم مكلّفون بذلك - لزم في نفسه بطلان مذهب المعتزلة . وأجاب المعتزلة عن الأول بأنّ المراد : ليس خيرا لهم بأن يموتوا كما مات الشهداء يوم أحد ؛ لأن هذه الآيات في شأن أحد ، ولا يلزم من كونه ليس خيرا من القتل يوم أحد إلا أن يكون في نفسه خيرا . وعن الثاني بأنه ليس المراد ليقدموا على الكفر والعصيان ؛ لقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] فيحتمل أن تكون اللام للعاقبة - كقوله : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] - أو يكون فيه تقديم وتأخير ، تقديره : لا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما ، إنما نملي لهم خير لأنفسهم . أو لأنهم لما ازدادوا طغيانا - بإمهاله - أشبه حال من فعل الإملاء لهذا الغرض . أو تقول : اللام - هنا - ليست للتعليل بالإجماع ، أما على مذهب أهل السّنّة فلأنهم يحيلون تعليل أفعاله تعالى بالأغراض ، وأما على قولنا فلأنّا إنما نعلّل بغرض الإحسان ، لا بالتعب فسقط ما ذكروه .